
تتألق ليلة الإسراء والمعراج في سجل السيرة النبوية كأعظم معجزة حسية ومعنوية أيد الله بها عبده ورسوله محمداً ﷺ، فهي رحلةٌ قدسية تجاوزت نواميس الكون المعهودة، وخرقت حجب الزمان والمكان، لتكون برهاناً ساطعاً على طلاقة القدرة الإلهية وعلو مقام سيد المرسلين. وقعت هذه الحادثة العظيمة في مكة المكرمة قبيل الهجرة، في سياق زمن عصيب عُرف بـ “عام الحزن”، فكانت بمثابة بلسمٍ رباني لقلب النبي ﷺ وتكريمٍ له بعد ما لاقاه من عنت قريش وأذى أهل الطائف، لتؤكد له أن ضيق الأرض يقابله اتساع السماء، وأن جفاء الخلق يعقبه احتفاء الخالق.
لقد بدأت مراسم هذه الرحلة بتهيئة نبوية خاصة، حيث نزل أمين الوحي جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ وهو في الحطيم، فشق صدره الشريف وغسله بماء زمزم وملأه إيماناً وحكمة، ليكون جسده وروحه ﷺ في حالة استبصار واستعداد لملاقاة أنوار الجلال الإلهي. انطلقت الرحلة الأرضية “الإسراء” من المسجد الحرام على ظهر “البراق”، وهي دابة بيضاء تضع حافرها عند منتهى بصرها، لتصل به إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس. وهناك، تجلت عظمة النبوة المحمدية حين اجتمع الأنبياء والمرسلون جميعاً فصلى بهم النبي ﷺ إماماً، في مشهدٍ يرمز إلى وحدة الرسالة السماوية وتسليم مقاليد الهداية للبشرية لصاحب المقام المحمود.
ومن أكناف بيت المقدس، بدأ “المعراج” الصاعد نحو السموات العلا؛ ففي كل سماء كان النبي ﷺ يلقى ترحيباً من الملائكة ومن كبار الأنبياء، من آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وهارون وموسى، وصولاً إلى إبراهيم الخليل عليه السلام الذي رآه مسنداً ظهره إلى البيت المعمور. ثم استمر العروج حتى بلغ ﷺ “سدرة المنتهى”، وهناك انتهى علم الخلائق وتوقف جبريل عليه السلام عن المسير إيذاناً بأن هذا المقام لم يُؤذن لأحدٍ بدخوله إلا لسيد الخلق. وفي تلك الحضرة النورانية، كلم الله عبده ﷺ بلا واسطة، وفُرضت الصلوات الخمس التي هي في حقيقتها “معراجٌ” لكل مسلم يصل به إلى خالقه، وقد تنزل الحكم الإلهي بتخفيفها من خمسين إلى خمس في الأداء مع بقاء خمسين في الأجر، استجابةً لشفقة النبي ﷺ بأمته.
لم تكن الرحلة مجرد انتقال مكاني، بل كانت كشفاً لمغيبات الغيب؛ فرأى النبي ﷺ الجنة ونعيمها، واطلع على صنوف من عذاب أهل النار ليحذر أمته، وشاهد من آيات ربه الكبرى ما يعجز اللسان عن وصفه. وعندما انبلج الصبح وعاد النبي ﷺ إلى مكة، كان المجتمع المكي على موعد مع اختبارٍ عظيم لفرز معادن الرجال؛ فما إن حدثهم النبي ﷺ بما رأى حتى انقسم الناس فريقين: فريق كفر وعناد، حيث سخرت قريش من قوله واعتبرته ضرباً من الخيال، وحاولوا تعجيزه بسؤاله عن تفاصيل بيت المقدس ووصف قوافلهم في الطريق، فجلى الله له المسجد الأقصى أمام عينيه فصار يصفه لهم بدقة أبهرت عقولهم، وأخبرهم بخبر عيرهم وموعد وصولها فكان الأمر كما قال، لكنهم استكبروا وقالوا “هذا سحرٌ مبين”.
أما الفريق الثاني فهو فريق الإيمان والتسليم، الذي مثله أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأسمى معاني اليقين، فحين جاءه المشركون يشككونه في صاحبه، قال قولته الخالدة: “إن كان قال فقد صدق”، مرسياً بذلك قاعدة التصديق المطلق بخبر الوحي. وقد خلدت كتب السيرة كـ “زاد المعاد” و”فتح الباري” أدق أحداث هذه الليلة، واصفةً كيف كان البراق مسخراً، وكيف كانت حوارات الأنبياء، وكيف عاد النبي ﷺ وفراشه لا يزال دافئاً، لتظل هذه المعجزة منارةً للعصور، تذكرنا بأن من كان مع الله، طويت له المسافات وتضاءلت دونه العقبات.







