
بدأت حكاية إبراهيم عليه السلام في أرض بابل بالعراق، في زمنٍ طغى فيه الملك النمرود بن كنعان وادعى الربوبية، وساد فيه عبادة الأصنام والكواكب. وُلد إبراهيم في هذه البيئة الوثنية، وكان والده آزر من كبار صنّاع التماثيل، إلا أن الله آتى إبراهيم رشده منذ صغره، ففطر قلبه على التوحيد وبغض الأوثان. انطلق إبراهيم في رحلة البحث عن الحقيقة بعقلٍ ثاقب، فتأمل في الكواكب والقمر والشمس، وفي كل مرة كان يثبت لقومه بالحجة المنطقية أن الذي يغيب ويأفل لا يمكن أن يكون إلهاً، حتى أعلن براءته من شركهم موجهاً وجهه للفاطر الذي لا يزول. بدأ دعوته بوالده، فخاطبه بأدبٍ جمّ قائلًا “يا أبتِ”، محذراً إياه من اتباع الشيطان، لكن آزر واجهه بالتهديد والرجم والنفي، فما كان من إبراهيم إلا أن قابل الإساءة بالإحسان واستغفر له وفاءً بوعده قبل أن يتبرأ منه لاحقاً حين استيقن عداوته لله.
ولما أصر قومه على ضلالهم، قرر إبراهيم تحطيم أصنامهم فعلياً ليقيم عليهم الحجة، فاستغل خروجهم لعيدهم ودخل معبدهم وجعل أصنامهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم يرجعون إليه. حين عادوا ووجدوها محطمة، سألوه عن الفاعل، فأجابهم بتهكمٍ عظيم أن يسلوا كبيرهم إن كان ينطق، فبُهتوا وسقط في أيديهم، لكن الكبر دفعهم لاتخاذ قرار بإحراقه حياً. جمعوا له حطباً عظيماً لأيام، حتى بنوا صرحاً هائلاً وأججوا فيه ناراً لم يُرَ مثلها، وقذفوه بالمنجنيق. وفي لحظة التحليق في الهواء، حين لم يبقَ له ناصر إلا الله، نزل جبريل يسأله إن كان له حاجة، فأجاب بلسان اليقين “أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، حسبي الله ونعم الوكيل”، فجاء الأمر الإلهي للنار أن تكون برداً وسلاماً، فصارت بستاناً لم يحترق فيه سوى وثاقه.
خرج إبراهيم من النار عزيزاً، وواجه الطاغية النمرود في مناظرة تاريخية، فلما ادعى النمرود أنه يحيي ويميت، ألزمه إبراهيم بحجة كونية باهرة بأن يأتي بالشمس من المغرب إن كان إلهاً، فبهت الذي كفر. هاجر إبراهيم بعد ذلك مع زوجه سارة وابن أخيه لوط نحو الشام، ومنها إلى مصر حيث جرت حادثة الملك الذي أراد بسارة سوءاً فحماه الله منه، وأهدى الملك لسارة الجارية “هاجر”. ولأن سارة كانت عقيماً، وهبت هاجر لإبراهيم فتزوجها وولدت له إسماعيل، فاشتعلت الغيرة في قلب سارة، فأوحى الله لإبراهيم أن يهاجر بهاجر ورضيعها إلى وادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرم بمكة. هناك وضعهما مع قليل من التمر والماء، ولما سألته هاجر إن كان الله أمره بهذا، وأجاب بالإيجاب، قالت بيقينها “إذن لا يضيعنا”، ففجر الله لها زمزم تحت قدمي رضيعها، واستوطنت مكة قبيلة جرهم.
توالت الابتلاءات، فرأى إبراهيم في منامه أنه يذبح ابنه إسماعيل، ورؤيا الأنبياء وحي، فعرض الأمر على ابنه الذي استسلم لأمر الله بصبرٍ مذهل. وحين وضع إبراهيم السكين على عنق ولده، ناداه الله أن قد صدقت الرؤيا، وفداه بذبح عظيم من الجنة. وبعد سنوات، تعاون الأب والابن في رفع قواعد الكعبة المشرفة، وكانا يدعوان الله أن يتقبل منهما ويجعل من ذريتهما أمة مسلمة. وبشره الله في كبره بإسحاق من زوجته سارة، ليكون أباً للأنبياء من بني إسرائيل، بينما كان إسماعيل جداً للعرب ومن نسله نبينا محمد ﷺ. عاش إبراهيم عليه السلام عمراً مديداً معلماً للتوحيد ومضيفاً للغريب ومقيماً لسنن الفطرة كالاختتان وقص الشارب، حتى وافته المنية في فلسطين ودُفن بمغارة المكفيلة في مدينة الخليل، مخلفاً وراءه ملة حنيفية باقية إلى قيام الساعة.







