
اللحظة الانتقالية بوصفها زمنًا مؤجَّلًا
يُفترض أن يُشكّل التداول الديمقراطي داخل الأحزاب السياسية ركيزةً أساسية لنضجها المؤسسي ومصداقيتها التمثيلية. غير أنّ التمعّن في التجربة الحزبية المغربية، عبر محطّاتها الانتقالية المتعاقبة، يكشف مفارقة بنيوية لافتة: حضور آليات التداول شكليًا، مقابل تعطيل مفعولها الزمني فعليًا. فبدل أن يُنتج الزمن السياسي قطيعةً منتظمة مع مواقع القيادة، يتحوّل إلى فضاء معلّق تُعاد فيه شرعنة النخب ذاتها عبر طقوس انتخابية لا تُفضي إلى تجديد حقيقي. تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك هذا التعليق، من خلال مقاربة سوسيو-زمنية وقانونية-أخلاقية، تدرس كيف يتحوّل التداول من أداة لإعادة التأسيس إلى تهديد وجودي للتنظيمات الحزبية.
أولًا: استعمار الزمن السياسي وإعادة تدوير الماضي
متى يغدو الزمن موردًا استراتيجيًا في يد النخب بدل كونه إطارًا ناظمًا للمساءلة؟
في السياق الحزبي المغربي، يُلاحظ ميل متزايد نحو ما يمكن تسميته بـ«استعمار الزمن السياسي»، حيث تُفرغ الدورية الانتخابية من مضمونها، ويُعاد ملؤها بمنطق الاستمرار. لا يُقاس الأداء هنا بقدرته على فتح أفق مستقبلي، بل بمهارته في توظيف الرأسمال الرمزي الماضي—التاريخ النضالي، لحظات التأسيس، وسرديات الاستثناء—لشرعنة الحاضر والتحكّم في القادم. ينتج عن ذلك زمن سياسي معكوس، يُؤبّد الماضي بوصفه سلطة، ويُقزِّم المستقبل إلى مجرد امتدادٍ مُدار.
ثانيًا: انزياح الشرعية من المؤسسة إلى الشخص
كيف تفقد الشرعية المؤسسية مركزيتها لصالح تمثيل ذاتوي مموَّه؟
يُفترض أن تستند القيادة الحزبية إلى تفويض مؤقت تُراقبه المؤسسات. غير أن الواقع يكشف عن تحوّل تدريجي في بنية الشرعية، حيث تنتقل من الحزب كمؤسسة إلى القائد كذات حاملة لمعنى الاستمرارية. تُبنى هذه الشرعية الهجينة عبر آليات ثلاث: ترسيم الاستثناء بدعوى حماية الوحدة، إنتاج شبكات ولاء تحلّ محل الكفاءة، وإدارة نسيان انتقائية للإخفاقات. بذلك، يتحوّل التجديد إلى تهديد للاستقرار المتخيَّل، وتغدو الانتخابات آلية تصديق لا اختيار.
ثالثًا: الفجوة بين الجواز القانوني والمسؤولية الأخلاقية
أين يتوقّف الحق القانوني في الترشّح، وتبدأ كلفة الاستمرار على التنظيم؟
تُظهر الممارسة الحزبية فجوةً واضحة بين المشروعية القانونية للاستمرار والمسؤولية الأخلاقية عنه. فغياب معايير موضوعية لتقييم الأداء، وانعدام حوافز الانسحاب الطوعي، يسمحان بتحويل الحق إلى احتكار فعلي. غير أنّ الكلفة تُدفع رمزيًا وتنظيميًا: تآكل الثقة، انغلاق آفاق الترقي، وعزوف الكفاءات الجديدة. في هذه اللحظة، تتحوّل السياسة من فعل جمعي إلى إدارة تقنية للبقاء.
من موقعنا كمغاربة العالم، نتابع باندهاش كيف يصر بعض مشايخ الأحزاب السياسية المغربية على الاستمرار في مواقعهم رغم بلوغهم من الكبر عتياً. في المقابل، تكشف تجارب حزبية في الديمقراطيات العريقة عن فهم مختلف للقيادة: القائد يدرك حدوده، ويترك للمؤسسة الفرصة لتجديد نفسها، كما يُظهر مثال حزب التجمع الوطني للأحرار في المغرب حين أعلن عزيز أخنوش عدم رغبته في خوض منافسة انتخابية أخرى، رغم مكانته ورصيده الشعبي، مُدركًا أن استمرار الدور يجب أن يخضع لاعتبارات المشروع لا للذات.
في المقابل، عندما يصبح الرصيد الشعبي غير كافٍ لضمان جدوى خوض جولة انتخابية مقبلة، يظهر خطاب بديل، غالبًا ما يتخذ شكل “إعادة تدوير المظلومية”: إذ تُحوَّل الهزيمة إلى دليل على مؤامرة خارجية، وتُشكك نزاهة المنافسة، بدل أن يُنظر إليها كنتيجة طبيعية لدورة حياة المشروع السياسي. هذا التحول في الخطاب لا يعكس أزمة شخصية فحسب، بل يُشير إلى فقدان آليات التداول الداخلي التي تُؤمّن الانتقال بين الأجيال وتجدد الشرعيّة.
رابعًا: الانسحاب كفعل تأسيسي لا كخسارة رمزية
هل يمكن للانسحاب أن يكون ذروة الفعل القيادي لا نهايته؟
يتطلّب تجاوز الأزمة إعادة تعريف القيادة باعتبارها فعل تأسيس لا امتلاك. فالانسحاب في لحظة مناسبة يُعيد الاعتبار للمؤسسة، ويُثبت استقلالها عن الأشخاص، ويحفظ الرأسمال الرمزي للقائد من التآكل. إنه انتقال من سياسة الهوية إلى سياسة المبدأ، ومن شرعية الشخص إلى استدامة المشروع.
خلاصة: في الحاجة إلى أخلاقيات المغادرة
تكشف أزمة التداول في الأحزاب المغربية عن معضلة أعمق تتعلّق بعلاقتنا بالزمن السياسي ذاته. فحين تعجز التنظيمات عن إنتاج نهاياتها المشرفة، تُحوّل كل ولاية إلى أبدٍ مصغّر، وكل موقع إلى ملكية. لعلّ السؤال الحاسم لم يعد كيف نُجري التداول، بل كيف نُعيد تعليم السياسة فنّ المغادرة في الوقت المناسب؛ تلك المغادرة التي لا تعني الانسحاب من المسؤولية، بل اكتمالها.







