اسلاميات

أسرار الحوار الإلهي مع إبليس وسقوط الكبر

​إن المتأمل في آيات الذكر الحكيم يدرك أن الحوار الإلهي مع إبليس حول السجود لآدم عليه السلام يمثل مشهداً وجودياً واحداً، تكرر عرضه في سور شتى بوجوه بلاغية مذهلة وتفاصيل تتكامل لترسم صورة متناهية الدقة لتلك اللحظة الفاصلة في تاريخ الخليقة. ولم يكن هذا الحوار مجرد استفسار عن سبب، بل كان استنطاقاً لعلة الكبر وإقامة للحجة الإلهية على مخلوق شرفه الله بالوجود في زمرة الملائكة ثم تردى بفعله، حيث نجد في سورة البقرة إجمالاً للمشهد بقوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ”، بينما نجد في سور أخرى مثل “الأعراف” و”ص” و”الحجر” تفصيلاً للحوار الذي دار عقب هذا الامتناع. إن تعدد الأوصاف المادية التي ذكرها إبليس في ردوده، فتارة يقول “خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” وتارة “خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّن حَمَإٍ مَّسْنُونٍ”، لا يشير أبداً إلى تعدد المواقف أو تكرار السؤال في أزمنة مختلفة، بل هو بيان لمراحل أطوار خلق آدم التي استهان بها اللعين، فالطين هو أصل الامتزاج بين التراب والماء، والحمأ المسنون هو الطين الذي طال مكثه فتغيرت ريحه ولونه، والصلصال هو الطين اليابس الذي له صوت كالفخار، فكأن إبليس في كل موضع كان يبرز صفة مادية يراها بعين الازدراء ليبرر لنفسه مخالفة الأمر الصريح. وقد أجمع أئمة التفسير كابن كثير والطبري والقرطبي على أن الحوار كان واحداً، وأن القرآن الكريم وزع مفرداته على السور لحكم بيانية، ففي سورة الأعراف ركز السياق على “المقايسة الفاسدة” حين قال إبليس “أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ”، وهو أول قياس في الوجود قدم فيه المخلوق عقله القاصر على النص الإلهي الصريح، وفي ذلك يروي ابن جرير عن الحسن البصري قوله “قاس إبليس وهو أول من قاس”، وعن ابن سيرين “أول من قاس إبليس، وما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس”. ويظهر الجانب النفسي في هذا الحوار من خلال استكبار إبليس الذي منعه من رؤية “التشريف الإلهي” في قوله تعالى “مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقُتُ بِيَدَيَّ”، حيث أضاف الله خلق آدم إلى نفسه تشريفاً، لكن إبليس ركز على “العنصر” وأهمل “الآمر”، مما جعله يقع في فخ الغرور الذي أخرجه من دائرة الرحمة إلى دائرة اللعنة. وتعزز السنة النبوية المطهرة هذا الفهم لوحدة الواقعة وعمق أثرها، ففي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ”، وهذا البكاء الشيطاني المستمر هو تذكر لتلك اللحظة الواحدة التي عصى فيها ربه. إن القارئ للقرآن يجد أن الجزاء الإلهي في كل السور جاء بصيغة واحدة تدل على وحدة الموقف مثل “فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ” و”وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ”، مما يقطع بأن الحوار لم يتكرر، بل هو مشهد إلهي عظيم سيق بأساليب متنوعة ليكون عبرة دائمة حول خطورة الكبر الذي يحجب العقل عن رؤية الحق، ويوضح أن القيمة الحقيقية للمخلوق ليست في مادة تكوينه، بل في مدى استجابته لأمر خالقه ونفحة الروح التي جعلته مستحقاً لتبجيل الملائكة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا