اسلاميات

​أُبيّ بن كعب: سيد القراء وأمين الوحي ووارث علوم النبوة

​يُعد أُبيّ بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي أحد أبرز الشخصيات العلمية في الرعيل الأول من الصحابة. كان له دور محوري في حفظ القرآن الكريم وتدوينه، حتى قال عنه النبي ﷺ: “أقرؤكم أُبيّ”. وهو الشخصية التي اجتمع فيها العلم والعمل، والورع والجرأة في الحق، حتى صار مرجع الأمة في كتاب الله.
​1. مكانته العلمية ومنزلته من القرآن
​لم يكن أُبيّ مجرد حافظ للقرآن، بل كان فقيهاً وعالماً بأسراره. تميز بخصيصة فريدة وهي أن الله عز وجل أمر نبيه محمد ﷺ أن يقرأ عليه القرآن.
​في الحديث الصحيح: قال النبي ﷺ لأُبيّ: “إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن”، فبكى أُبيّ وقال: “وذكرني الله باسمي؟” قال: “نعم”، فبكى فرحاً.
​جمع القرآن: كان أُبيّ أحد الكتاب الذين يكتبون الوحي للنبي ﷺ، وكان عضواً رئيسياً في اللجنة التي شكلها أبو بكر الصديق ثم عثمان بن عفان لجمع المصحف وتوحيده. وإليه تنتهي أسانيد معظم القراءات العشر المتواترة اليوم. كان صوته في التلاوة نديّاً، وطريقته في الترتيل هي النموذج الذي احتذى به كبار الصحابة والتابعين.
​2. فضائله وصفاته ولقبه الفريد
​سيد المسلمين: لقبه عمر بن الخطاب بـ “سيد المسلمين” اعترافاً بعلمه ومكانته.
​السبق في الإسلام: شهد بيعة العقبة الثانية، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع الرسول ﷺ.
​الورع والعبادة: عُرف بخشوعه الطويل وكثرة تلاوته للقرآن، وكان مرجعاً للصحابة إذا اختلفوا في آية أو حكم.
​3. “لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ”
​من أشهر المواقف التي تدل على فطنته وعلمه، حين سأله النبي ﷺ: “يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟”، فأجاب أُبيّ: “اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ” (آية الكرسي). فضرب النبي ﷺ في صدره وقال له مادحاً: “لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ”؛ أي هنيئاً لك هذا الفهم العميق والوصول للحقيقة.
​4. استجابة دعائه (قصة السحابة)
​يروي ابن عباس رضي الله عنهما موقفاً يظهر كرامة أُبيّ عند الله، حيث كانوا في سفر مع عمر بن الخطاب، فظهرت سحابة مطر شديدة، فدعا أُبيّ: “اللهم اصرف عنا أذاها”. فلحقوا بالناس الذين كانوا في مقدمة القافلة فوجدوا ثيابهم ورحالهم قد ابتلت بشدة، بينما لم يصب أُبيّ ومن معه شيء. فقال عمر بن الخطاب متعجباً: “ما أصابكم الذي أصابنا؟” فأخبروه بدعاء أُبيّ، فقال عمر: “ألا دعوتم لنا معكم؟”.
​5. ورعه عن المناصب ومنهجه في العبادة
​الهروب من الدنيا: سأل أُبيّ بن كعب الخليفة عمر بن الخطاب يوماً: “يا أمير المؤمنين، ما لك لا تستعملني؟” (أي لماذا لا تولينا إمارة؟). فرد عليه عمر بكلمة عظيمة: “أكره أن يُدنس دينك”، فقد كان عمر يحرص على بقاء العلماء القراء متفرغين لتعليم الناس القرآن.
​الصلاة على النبي ﷺ: هو صاحب الحديث المشهور حين قال: “يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟” حتى قال: “أجعل لك صلاتي كلها؟”، فقال له النبي ﷺ: “إذاً تُكفى هَمَّكَ، ويُغفر لك ذنبُك”.
​6. مدرسته في التفسير والقضاء
​يُعتبر أُبيّ مؤسس إحدى أهم مدارس التفسير في المدينة المنورة، يعتمد فيها على تفسير القرآن بالقرآن والصدق في النقل. وفي القضاء، كان فطناً لدرجة أن عمر بن الخطاب اختصم مع رجل، فتحاكما إلى أُبيّ في بيته، فقال عمر: “في بيته يُؤتى الحَكَم”، والتزم عمر بحكمه.
​7. من حكمه وأقواله المأثورة
​كان لأُبيّ كلمات تعكس عمق فهمه، منها:
​”المؤمن بين أربع: إن أُعطي شكر، وإن ابتُلي صبر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل”.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا