أراء وكتاب

إعادة إعمار غزة بين الرؤية الاقتصادية والواقع السياسي: اختبار جديد لمجلس السلام

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

تعود غزة مجددًا إلى صدارة المشهد السياسي الدولي، ليس بوصفها ساحة مواجهة عسكرية فقط، بل باعتبارها مختبرًا لمعادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين إعادة الإعمار، وإعادة هندسة الحكم، وإعادة تعريف مفهوم “السلام” ذاته. الخطة التي قدمها جاريد كوشنر أمام مجلس السلام تمثل أول ترجمة عملية للمرحلة الثانية من الرؤية الأميركية لما بعد الحرب، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا واسعًا للأسئلة أكثر مما تقدّم إجابات نهائية.

اللافت في الطرح الأميركي الجديد هو انتقاله الواضح من مقاربة الإغاثة الإنسانية إلى مقاربة اقتصادية – استثمارية بعيدة المدى. الحديث عن ضخ أكثر من 25 مليار دولار حتى عام 2035، وبناء مطار وميناء، وشبكات نقل، ومناطق صناعية وسياحية، يعكس تصورًا لغزة ككيان اقتصادي قابل للاندماج في الأسواق الإقليمية، لا مجرد منطقة منكوبة تعيش على المساعدات.

هذا التحول في حد ذاته ليس سلبيًا، بل يعكس فهمًا متقدمًا بأن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح إذا بقيت محصورة في ترميم ما دمرته الحرب. غير أن الإشكالية تكمن في الفجوة بين النموذج الاقتصادي المقترح والواقع السياسي والأمني القائم، وهي فجوة لا يمكن تجاوزها بالأموال وحدها.

رفع حجم اقتصاد غزة إلى أكثر من 10 مليارات دولار، وزيادة دخل الأسرة إلى مستويات غير مسبوقة، أهداف تبدو طموحة بل جذابة على الورق. لكن أي اقتصاد يحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية: سيادة، استقرار، وحرية حركة. وهذه الشروط لا تزال حتى اللحظة رهينة معادلات سياسية وأمنية لم تُحسم بعد.

فغزة، وفق الخطة، ستُعاد إعمارها على مراحل جغرافية تبدأ من الجنوب وتصل إلى الشمال، لكن هذه المراحل مشروطة بنزع السلاح الكامل. هنا يتحول الإعمار من كونه حقًا جماعيًا لسكان القطاع، إلى أداة ضغط سياسية وأمنية، وهو ما قد يخلق توترات داخلية بدل أن يرسّخ الاستقرار.

أكثر بنود الخطة حساسية هو ملف نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية. الطرح الأميركي يتعامل مع المسألة باعتبارها شرطًا تقنيًا يمكن تنفيذه تدريجيًا عبر الشرطة الفلسطينية وقوى دولية، لكن التجربة التاريخية في غزة تشير إلى أن السلاح ليس مجرد أداة عسكرية، بل جزء من توازنات سياسية واجتماعية معقدة.

ربط الإعمار بنزع السلاح الكامل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: تعطيل الإعمار بدل تسريعه، وإعادة إنتاج التوتر بدل إنهائه. كما أنه يضع مجلس السلام أمام اختبار صعب: هل سيكون وسيطًا ضامنًا، أم طرفًا يفرض شروطًا قد تُفسَّر محليًا على أنها إملاءات خارجية؟

مطالبة حركة حماس مجلس السلام بإلزام إسرائيل بوقف الخروقات تعكس إدراكًا فلسطينيًا بأن هذا المجلس ليس مجرد إطار اقتصادي، بل جهة سياسية ضامنة. وهنا تتحدد مصداقية المجلس: إما أن يثبت قدرته على ضبط جميع الأطراف، أو يتحول إلى مظلة شكلية تُستخدم لتمرير خطط دون ضمانات حقيقية على الأرض.

إدخال المساعدات، فتح المعابر، حماية المدنيين من تبعات الطقس القاسي، كلها اختبارات فورية لا تنتظر اكتمال المراحل الاقتصادية الكبرى. وإذا عجز المجلس عن فرض الالتزام بهذه الاستحقاقات الإنسانية العاجلة، فسيصعب إقناع الشارع الفلسطيني بجدوى وعوده المستقبلية.

ما بين السطور، لا يمكن إغفال أن الخطة الأميركية لا تسعى فقط إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل إلى إعادة تشكيل غزة سياسيًا واقتصاديًا. تحويل الساحل إلى واجهة سياحية، وتخصيص الداخل للصناعة والتكنولوجيا، يعكس تصورًا جديدًا لهوية القطاع ووظيفته الإقليمية.

لكن أي إعادة تشكيل لا تنطلق من توافق وطني فلسطيني واسع، ولا تراعي البعد السياسي للصراع، قد تُنتج نموذجًا هشًا، قابلًا للانهيار مع أول أزمة أمنية أو سياسية.

الخلاصة: فرصة مشروطة وليست حلًا نهائيًا

خطة كوشنر لإعمار غزة تحمل عناصر قوة لا يمكن إنكارها، خاصة من حيث الرؤية الاقتصادية بعيدة المدى ومحاولة الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التنمية. لكنها في الوقت ذاته مبادرة عالية المخاطر إذا لم تُدار بحساسية سياسية، وبضمانات متوازنة، وبفصل واضح بين الحقوق الإنسانية لسكان غزة وأي اشتراطات أمنية أو سياسية.

غزة لا تحتاج فقط إلى مطار وميناء وأبراج، بل إلى أفق سياسي واضح، وضمانات دولية عادلة، وشعور جماعي بأن الإعمار ليس ثمنًا للتجريد من الحقوق. هنا فقط يمكن لمجلس السلام أن يتحول من كيان نظري إلى أداة حقيقية للاستقرار، لا مجرد تجربة أخرى في سجل المبادرات الدولية غير المكتملة.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا