سياسة

إغلاق مضيق هرمز نذير بانهيار شامل للأمن القومي

​يقف العالم اليوم على حافة هاوية سحيقة وهو يراقب انسداد شريان الحياة في مضيق هرمز، حيث لم يعد الأمر مجرد أزمة ملاحية عابرة، بل تحول إلى زلزال جيوسياسي يهدد بتقويض أركان الاستقرار العالمي برمته. إن هذا الشلل الذي أصاب الممر المائي، وتراجع حركة السفن بنسبة تفوق الأربعة والنواحي بالمئة، يمثل طعنة نافذة في خاصرة الاقتصاد الدولي، حيث تضع هذه الأزمة دول الخليج العربي أمام تحدٍ وجودي غير مسبوق؛ فهذه الدول التي تعتمد بنيتها الاقتصادية والتنموية على تدفقات الطاقة عبر هذا المضيق، تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع خطر توقف الصادرات وتجمد المشاريع العملاقة، فضلاً عن التهديد المباشر لمنشآتها الحيوية التي باتت في مرمى نيران التصعيد المتبادل بين واشنطن وطهران. إن الأضرار التي تلحق بدول المنطقة تتجاوز الخسائر المالية المباشرة لتصل إلى زعزعة الأمن الإقليمي الشامل، حيث تتحول مياه الخليج من ممرات للتجارة والازدهار إلى ساحة محتملة لصراع عسكري مدمر لا يبقي ولا يذر، يضاف إلى ذلك التهديد البيئي الجسيم الذي قد يلحق بسواحل دول الخليج ومحطات تحلية المياه في حال اندلاع مواجهة عسكرية بحرية، مما قد يحول الأزمة من نقص في الموارد المالية إلى كارثة إنسانية تمس أساسيات الحياة اليومية لملايين البشر في المنطقة. وعلى الصعيد العالمي، فإن استمرار هذا الإغلاق واقتراب مهلة الثماني وأربعين ساعة الأمريكية من نهايتها، يعني الدخول في مرحلة “الرعب النفطي”، حيث ستؤدي القفزات الجنونية في أسعار الطاقة إلى موجات تضخم عالمية تفتك بالقدرة الشرائية للشعوب من شرق الأرض إلى غربها، وتدفع بالعديد من الاقتصادات الناشئة والمتقدمة نحو ركود حاد ومظلم يهدد بانهيار سلاسل التوريد الصناعية والغذائية التي تعتمد كلياً على تكاليف شحن مستقرة، كما أن توقف تدفق نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز المسال عبر هذا الشريان الضيق سيؤدي حتماً إلى شلل في قطاعات النقل والإنتاج في القارات الست، مما يحول الأزمة الاقتصادية إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية عابرة للحدود. إن تضاعف تكاليف التأمين البحري بستة أمثالها ليس سوى جرس إنذار لانهيار سلاسل الإمداد العالمية، مما سيؤدي إلى نقص حاد في السلع الأساسية وارتفاع تكاليف الشحن بشكل يعجز النظام التجاري الدولي عن تحمله. نحن أمام مقامرة كبرى يتم فيها استخدام أمن الطاقة العالمي كرهينة سياسية، والنتائج لن تقتصر على انفجار أسعار الوقود فحسب، بل ستمتد لتشمل فوضى سياسية واجتماعية دولية ناتجة عن انعدام الاستقرار الاقتصادي. إن العبث بمصير هرمز هو عبث بمصير الاستقرار البشري، وفي حال لم يتم تدارك الموقف ديبلوماسياً بعيداً عن لغة الوعيد بتدمير البنى التحتية، فإن العالم سيواجه كارثة مركبة تعيد رسم خارطة القوى والمصالح على أنقاض نظام اقتصادي عالمي كان يعتقد أنه محصن، ليجد نفسه اليوم رهينة لسبعة وعشرين ميلاً بحرياً تقرر مصير الكوكب.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا