
في اللحظات التاريخية التي تشهد انكسارات كبرى للمشاريع الأيديولوجية، تبرز الحاجة الملحّة للمراجعات النقدية الجريئة التي تضع مبضع الجرّاح في البنية الذهنية التي أنتجت تلك الانكسارات. وضمن هذا السياق الحرج، تأتي تدوينة الدكتور عبد الحي السملالي الأستاذ الباحث في الرياضيات—لتشكل هزة ارتدادية في بركة الفكر الإسلامي الحركي الراكدة، متجاوزةً حدود الرأي العابر نحو تشريح بنيوي لآليات استلاب الإرادة وتحويل المؤمن الذاتي إلى كائن قطيعي.
وقد استوقفني بشدة ما نشره الباحث الدكتور عبد الحي السملالي مؤخراً على منبر العمق المغربي تلك التدوينة التي لم تكن مجرد بوح عابر، بل جاءت كمبضع جراح يشرّح المسكوت عنه في بنية العمل الحركي. إن اختياره لمنبر رصين كالعمق المغربي لنشر هذه الأفكار الجريئة، يعكس رغبة حقيقية في نقل النقاش من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام، وهو ما دفعني للمساهمة بهذه القراءة التحليلية، إيماناً مني بأن نقد أيديولوجيا الطاعة هو أولى عتبات التحرر الحضاري.
إن وقوفنا عند هذه القراءة التحليلية لما يطرحه الدكتور السملالي، يأتي من باب تقديرنا لاجتهاداته ومقالاته الرصينة التي تحفز العقل على المساءلة، حتى وإن اختلفنا معه في المنطلقات أو الرؤى الفكرية. فكتابتي لهذه القراءة تنبع من إيمان راسخ بضرورة احترام الرأي والرأي الآخر، وفتح المجال واسعاً أمام النقاش السليم والنقد البناء المبني على فهم عميق للنصوص، بعيداً عن لغة التعصب أو ثقافة الإقصاء. إن هدفنا هو إرساء حوار حضاري يعيد الاعتبار للعقل والمنطق في مقاربة قضايا الوعي والتدين.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة بوضوح إلى أن من أعمق أسباب التخلف المركّب الذي تعيشه بعض الجاليات المسلمة والمهاجرين في الغرب، يكمن في العجز البنيوي عن فهم قراءة النصوص الدينية وعدم استيعاب حقيقة الواقع المعقد الذي وجدوا فيه. إن الإسلام الذي يقدمه اليوم بعض المنتسبين إليه وهنا أقصد فئة من الدعاة والأئمة والشيوخ هو خطاب قاصر ومجتزأ، لا يرقى أبداً إلى حقيقة الإسلام الحيّ الذي جاء به نبي الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ذاك الدين الذي جعل من الرسول الكريم نبراساً للفعل والحركة والفاعلية، كما قال تعالى: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ”. إن استبدال الأسوة المحمدية الحية بنماذج بشرية تطلب الطاعة لنفسها، هو الذي أدّى إلى انفصال هؤلاء المهاجرين عن واقعهم، وتحولهم إلى كتل ساكنة تفتقد لروح المبادرة الحضارية.
بحكم متابعتي واهتمامي المستمر بهذا الشأن، ومن موقعي كمقيم في أوروبا إيطاليا تحديداً فإنني ألمس يومياً تجليات هذه الأطروحة على أرض الواقع. فمن المثير للتأمل والأسى في آنٍ واحد، أن نرى بعض التجمعات الإسلامية في المهجر، ورغم عيشها في صلب بيئات ديمقراطية تمنح الفرد أقصى درجات الحرية في التفكير، إلا أنها لا تزال تئن تحت وطأة منهج الطاعة الذي أشار إليه الدكتور السملالي في تدوينته. إن هذه التجمعات تختار أحياناً الانغلاق داخل بنى أيديولوجية مستوردة تعيد تدوير مفاهيم السمع والانقياد، مما يؤكد أن أزمة القطيع ليست مرتبطة بالجغرافيا، بل بالبنية الذهنية التي تم تدجينها لتستجيب لأيديولوجيا الطاعة حتى في أكثر بقاع الأرض تحرراً.
1.ينطلق السملالي من أطروحة صادمة بجرأتها: الطاعة في بعض السياقات الحركية لم تعد فضيلة أخلاقية، بل تحولت إلى أيديولوجيا وظيفية وتقنية لضبط الحشود. المشكلة هنا ليست في الجهل العفوي، بل في الجهل المصنوع؛ وهي عملية هندسية يتم من خلالها ملء الفراغ بخطاب يمنع العقل من المساءلة، ويكافئ الامتثال، ويحول الدين إلى هوية انفعالية يُسهل تحريكها في معارك وهمية لا تخدم جوهر العقيدة ولا مصلحة الوطن.
2. استعادة المسلم العضوي بين غرامشي والمنهاج النبوي تكمن القيمة المضافة في طرح الدكتور السملالي في استدعائه لمفهوم المثقف العضوي عند الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، وإسقاطه على الجوهر النبوي الأصيل. هذه القراءة الأكاديمية المتقاطعة تثبت أن المسلم العضوي هو البديل الثوري لكائن الطاعة فهو التجسيد الحي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم:الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ. والقوة هنا لا تقف عند حدود الجسد، بل تمتد لتشمل قوة الوعي وامتلاك الذات الفاعلة ذاك المؤمن الذي يفهم الدين كقوة تحرير لا كأداة تدجين، ويرى في تغيير المنكر إعلاناً صريحاً بأنه فاعلٌ يغير لا قطيعٌ يُقاد.
3.يطرح السملالي أسئلة وجودية لا تحتمل التأجيل: هل كان المطلوب مسلماً واعياً أم مسلماً قابلاً للاستعمال؟ الحقيقة الصادمة التي يكشفها النص هي أن أخطر ما أنتجته بعض التجارب الحركية هو إعادة تشكيل الإنسان ليكون قابلاً للقيادة بلا سؤال. لقد تم إحلال أيديولوجيا الطاعة محل فقه المسؤولية، مما أنتج كتلة هشة معرفياً تتحرك بالاستثارة لا بالتفكير.
إن قراءة تدوينة الدكتور السملالي هي دعوة للانتقال من زمن القطيع إلى زمن الإنسان الانتقال من خطاب يُنتج مسلمًا قابلاً للقيادة، إلى خطاب يُنتج مسلمًا عضويًا يجمع بين القوة الفكرية والصلابة الأخلاقية. فالرهان اليوم ليس في بناء التنظيمات أو تشبيك الهياكل، بل في هدم بنية الطاعة العمياء وإعادة الاعتبار للعقل المسلم باعتباره عقلًا ناقدًا وفاعلًا إذ لا يمكن للمجتمعات أن تنهض بالقطعان التي تُساق، بل بالذوات الحرة التي ترفض الاستخدام، وتؤمن بأن الدين جاء ليحرر الوعي لا ليدجنه، وليصنع إنسانًا مسؤولًا يرى في حريته طريقاً وحيداً للوصول إلى الحقيقة.
وأختم مقالي فأقول إن المعركة الحقيقية اليوم ليست في مجرد تشييد الجمعيات والهيئات، أو التباهي بتأسيس المؤسسات والاتحادات والأندية، ولا في ملاحقة تكثير الأعداد وتضخيم الكيانات، بل في تحرير الإنسان من أغلال التبعية العمياء. إننا بحاجة ماسة إلى ثورة فكرية تعيد للمسلم سيادته على عقله، وتذكره بأن عبوديته لله وحده واتباعه لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هي التي تمنحه الحرية المطلقة أمام البشر؛ ليكون فرداً فاعلاً، ناقداً، ومسؤولاً، يرفض أن يُختزل في رقم ضمن إحصائيات التنظيمات، ويأبى أن يكون مجرد صدى لصوت غيره.
اللهم أرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ونوّر بصائرنا، وحرّر عقولنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. آمين.









