ثقافة وفن

الأدب العربي… حين تتكلّم اللغة بلسان الخلود

الأدب العربي ليس حروفًا تُرصّ، ولا كلماتٍ تُصفّ، بل روحٌ تُنفخ في اللغة، فتنهض من صمتها، وتستعيد مجدها. هو ذاكرة أمة، ومرآة حضارة، وسِجلّ وجدانٍ كُتب بالحبر حينًا، وبالدمع حينًا، وبالدم حينًا آخر.
فيه تكلّم العقل حين صمت السيف، وغنّى القلب حين أثقلته الوقائع، وسجّل اللسان ما عجزت عن حمله الجبال.
هو أدبٌ إذا قُرئ أدهش، وإذا أُعيد تأمّله أرهق، وإذا غُص في أعماقه أغرق، لأنّه ليس زينة لفظ، بل جوهر فكر، ولا بهرجة بيان، بل حكمة زمان.
الأدب العربي… نشأة المعنى قبل اكتمال الشكل
وُلد الأدب العربي قبل أن تُولد المدارس، وقبل أن تُقعّد المناهج، فكان شعرًا يُتداول في الأسواق، وخطبًا تُلقى في المحافل، وأمثالًا تُضرب فتُصيب المعنى دون إسهاب.
كان الشاعر لسان القبيلة، وكان الخطيب عقل الجماعة، وكانت الكلمة سيفًا يُشهر، أو عهدًا يُبرم، أو تاريخًا يُؤرَّخ.
فلم يكن الأدب ترفًا، بل ضرورة، ولا تزيّنًا، بل هوية، به تُعرف المروءة، وتُقاس الحكمة، وتُخلّد الأيام.
لغة السجع… موسيقى العقل ووزن الحكمة
السجع في الأدب العربي ليس زخرفًا يُلصق، بل إيقاعٌ يُحكم، وهو موازنة بين المعنى والمبنى، وبين العقل والطرب.
به خطب العرب، وبه كُتبت الرسائل، وبه سُطّرت الحكم، فكان الكلام إذا سُجع استقرّ، وإذا اعتدل استمرّ، وإذا أصاب المعنى انتصر.
وفي السجع العربي، تتقابل الكلمات كما تتقابل الأفكار، لا لتتشابه، بل لتتكامل، فيتناغم اللفظ، ويتواشج المعنى، وتولد البلاغة من رحم الفطرة.
الأدب العربي بين البيان والوجدان
تميّز الأدب العربي بأنه جمع بين البيان الذي يُفهم، والوجدان الذي يُحسّ.
ففي الشعر حنين، وفي النثر حكمة، وفي المقامة دهشة، وفي الرسالة عمق.
كتب الجاحظ فعقّل الأدب، وكتب المتنبي ففلسف الشعر، وكتب أبو حيّان فأنطق اللغة، وكتب ابن المقفّع فجعل الحكمة تمشي على قدمين.
فكان الأدب العربي مدرسة عقل، قبل أن يكون معرض لفظ.
انكسارات الأدب… وبقاء الجذوة
مرّ الأدب العربي بمحنٍ، وذاق انكسارات، وتعرّض لتهميش، لكنّه لم يمت، لأنّ ما يُكتب بالروح لا يندثر، وما يُؤسّس على اللغة لا يزول.
قد يخفت صوته حينًا، لكنّه لا يصمت، وقد يتوارى خلف الضجيج، لكنّه لا يختفي.
فالأدب العربي كالماء، إن حُبس تسرّب، وإن ضُيّق انفجر، وإن أُهمل بحث عن مجرى جديد.
الأدب العربي اليوم… سؤال الهوية
اليوم، يقف الأدب العربي أمام سؤالٍ صعب:
هل يكون تابعًا لغيره؟ أم أمينًا لذاته؟
هل يُجاري العصر بلا روح؟ أم يُحدّث اللغة دون أن يُفرّط في أصلها؟
والجواب ليس في القطيعة ولا في التقليد، بل في التجديد الواعي، الذي يُنصت للماضي دون أن يسكنه، ويخاطب الحاضر دون أن يذوب فيه.

الأدب العربي ليس ذكرى تُروى، ولا تراثًا يُعلّق، بل كائنٌ حيّ، إذا أُحسن الإصغاء إليه تكلّم، وإذا أُحسن حمله تقدّم، وإذا أُحسن توظيفه أنقذ اللغة من الغياب، والهوية من الذوبان.
هو أدبٌ إذا كتب، شهد، وإذا نطق، قصد، وإذا سُئل، أجاب:
أنا لغةٌ لا تشيخ، وحكمةٌ لا تموت، وبيانٌ إذا حضر، سكت الزيف وارتفع الصوت.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا