
تعد شخصية الإمام مسلم بن الحجاج وكتابه “الجامع الصحيح” من الركائز الأساسية التي يقوم عليها صرح السنة النبوية الشريفة. فقد أجمعت الأمة على أن كتابه هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى وصحيح البخاري، لما تميز به من دقة في الضبط، وبراعة في التأليف، وصرامة في المنهج.
أولاً: الإمام مسلم (صاحب الصحيح) ونشأته
هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ولد في نيسابور سنة 204 هـ (وقيل 206 هـ). نشأ في أسرة علمية، وطاف البلاد الإسلامية طلباً للحديث، فرحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق.
شيوخه: تتلمذ على يد كبار الحفاظ، وأبرزهم الإمام البخاري، الذي تأثر به كثيراً ولازمه، وكذلك أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
ثناء العلماء: قال عنه شيخه إسحاق بن راهويه: “لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين”. ووصفه الإمام الذهبي بأنه “الحافظ، الحجة، أمير المؤمنين في الحديث”.
ثانياً: العلاقة بين “الجبلين”: مسلم والبخاري
لا تكتمل صورة الإمام مسلم دون فهم علاقته بالإمام البخاري. عندما قدم البخاري إلى نيسابور، لزمه مسلم ملازمة الظل، وهناك واقعة شهيرة تدل على مدى إجلال مسلم لشيخه:
تقبيل الرأس: دخل مسلم على البخاري وقبّل ما بين عينيه ثم قال: “دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله”.
الدفاع عن الشيخ: عندما وقعت المحنة للبخاري في نيسابور (بسبب فتنة خلق القرآن)، اعتزل الجميع البخاري إلا مسلم، بل وقام مسلم برد كل الأحاديث التي سمعها من محمد بن يحيى الذهلي (خصم البخاري حينها) في حمالة إلى بيته علناً، مضحياً بمكانته الاجتماعية دفاعاً عن شيخه.
ثالثاً: كتاب “صحيح مسلم” وعظمته
لم يكن “صحيح مسلم” مجرد جمع للأحاديث، بل كان عملاً هندسياً دقيقاً استغرق منه قرابة 15 عاماً.
1. عبقرية “الصناعة الحديثية” والمنهج
تميز الإمام مسلم بمنهجية فريدة جعلت كتابه مرجعاً لا غنى عنه، وما يميزه هو ما يسميه العلماء “حسن السياق”:
الترتيب الموضوعي ووحدة المكان: اهتم بجمع طرق الحديث الواحد في مكان واحد، مما يسهل على الباحث معرفة الزيادات في الألفاظ واختلاف الروايات. هذا يتيح للمتعلم رؤية “شجرة الحديث” كاملة.
عدم التقطيع: بخلاف البخاري الذي كان يقطع الحديث في أبواب مختلفة، حرص مسلم على ذكر الحديث كاملاً بسنده ومتنه دون تقطيع.
الدقة المتناهية في “حدثنا” و”أخبرنا”: كان دقيقاً جداً في التمييز بين صيغ الأداء؛ فكلمة “حدثنا” تعني أنه سمع الشيخ يتكلم، أما “أخبرنا” فتعني أنه قرأ على الشيخ. وإذا اجتمع راويان في سند واحد، وكان أحدهما قد قال “حدثنا” والآخر قال “أخبرنا”، يذكر مسلم ذلك بدقة قائلاً: “حدثنا فلان وفلان، واللفظ لفلان” أو “قال فلان حدثنا وقال الآخر أخبرنا”.
2. شروط القبول والصحة
اشترط الإمام مسلم في الأحاديث التي يودعها في كتابه شروطاً صارمة، وهي:
اتصال السند: أن يكون كل راوٍ قد أخذ عمن فوقه.
عدالة الرواة: أن يكون الراوي مسلماً، بالغاً، عاقلاً، غير فاسق.
ضبط الرواة: أن يكون الراوي متقناً لما يحفظ أو يكتب.
السلامة من الشذوذ والعلة: وهذا ما برع فيه مسلم بجدارة، حيث كان ينتقد الأسانيد بعين خبيرة.
3. مقدمة صحيح مسلم: دستور علم الحديث
لا يمكن الحديث عن الكتاب دون ذكر مقدمته التي تعد بياناً علمياً وضع فيه قواعد نقد الأخبار:
الرد على المبتدعة: وضع ضوابط لقبول رواية المبتدع.
مسألة المعاصرة (الاتصال): خالف شيخه البخاري في مسألة اللقاء؛ فمسلم يكتفي بـ “المعاصرة مع إمكان اللقاء”، بينما اشترط البخاري ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة.
طبقات الرواة: قسّم الرواة إلى ثلاث طبقات (الحفاظ المتقنون، المستورون ذوو الضبط المتوسط، والمتروكون)، وصرح بأنه اعتمد بشكل أساسي على الطبقة الأولى.
رابعاً: تفاصيل تقنية وإحصائية
عدد الأحاديث: يحتوي الكتاب على نحو 3033 حديثاً (بدون المكرر)، وإذا عددنا الأحاديث بطرقها ورواياتها المكررة تصل إلى قرابة 12,000 حديث.
الأحاديث المعلقة: الكتاب كله “مسند” من أوله إلى آخره، ولا يوجد فيه إلا 14 حديثاً معلقاً فقط، وقد وصلها الإمام مسلم في مواضع أخرى من كتابه (إلا حديثاً واحداً في الزكاة قيل إنه ظل معلقاً، لكن العلماء وصلوه من طرق أخرى).
لطائف الإسناد (التحويل): تميز بوضع حرف (ح) وسط السند اختصاراً لكلمة “تحويل” عند انتقال السند من طريق إلى آخر دون إعادة السند كاملاً.
ترتيب الأبواب: من المفاجآت العلمية أن الإمام مسلم لم يضع عناوين للأبواب في كتابه! بل وضع الأحاديث ونسقها، والعناوين التي نراها اليوم هي من وضع الشُراح، وأشهرها تراجم الإمام النووي.
خامساً: النقد والثناء والشروح
أشهر الشروح:
شرح الإمام النووي (المنهاج): الشرح الأشهر الذي ضبط الأسماء وفسر الغريب واستنبط الفقه.
إكمال المعلم للقاضي عياض: ركز على فقه الحديث واللغة.
المستخرجات: مثل مستخرج أبي عوانة.
النقد العلمي: تتبع الإمام الدارقطني بعض الأحاديث في كتابه “الإلزامات والتتبع” (نحو 200 حديث)، وانتقدها من حيث العلل الخفية، لكن علماء كبار (ابن حجر والنووي) دافعوا عنها وأثبتوا أنها في أعلى درجات الصحة.
شهادات تاريخية: قال أبو علي النيسابوري: “ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث”. وقال أحمد بن سلمة: “كنت مع مسلم في تصنيف صحيحه خمس عشرة سنة”.







