
يشهد الاقتصاد المغربي خلال الأسابيع الأخيرة تباينًا واضحًا بين ضغوط داخلية متصلة بارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية، وعلى رأسها اللحوم الحمراء، وبين مؤشرات إيجابية في قطاعات أخرى كالسياحة والمالية الخارجية. هذا التباين يعكس صورة مزدوجة لواقع اقتصادي يحاول الموازنة بين التحديات الآنية والآفاق المستقبلية.
رغم التدابير الحكومية، لا تزال أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة في الأسواق المغربية، نتيجة تراجع القطيع الوطني بنسبة تقارب 30% مقارنة بالمعدل الطبيعي، رغم أن عدد رؤوس الماشية تجاوز 32.8 مليون رأس. وللتخفيف من حدّة الأزمة، سارعت السلطات إلى تعليق الرسوم الجمركية على واردات الماشية، في محاولة لزيادة العرض وضبط الأسعار، لكن السوق ما زال يشهد ضغوطًا تثير قلق المستهلكين.
في المقابل، يواصل قطاع السياحة تحقيق أرقام قياسية، إذ بلغت عائداته نحو 67 مليار درهم (6.7 مليار دولار) خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2025، بزيادة 13% مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية. ويعود هذا النمو بالأساس إلى انتعاش السياحة الوافدة من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، مما يعزز مكانة المغرب كوجهة عالمية ويؤكد الدور الحيوي للسياحة في دعم رصيد البلاد من العملة الصعبة.
أما على صعيد السياسة النقدية، فقد كشف بنك المغرب عن استقرار نسبي في قيمة الدرهم، حيث ارتفع بنسبة 0.2% أمام الأورو وتراجع بـ0.5% مقابل الدولار خلال الفترة ما بين 22 و27 غشت. كما ارتفعت الأصول الاحتياطية الرسمية إلى 409.6 مليار درهم، مسجلة زيادة سنوية قدرها 13.2%، وهو ما يعكس صلابة مالية تمكّن المملكة من مواجهة الصدمات الخارجية المحتملة.
تُظهر هذه المؤشرات أن الاقتصاد المغربي يعيش مرحلة دقيقة، يجمع فيها بين تحديات داخلية تتعلق بالأمن الغذائي والتكاليف المعيشية، وبين مؤشرات إيجابية في قطاعات استراتيجية تمنحه متنفسًا وفرصًا للنمو. ويبقى الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة هو قدرة السياسات العمومية على موازنة هذه المعادلة، بما يضمن استقرار الأسعار وتعزيز المكاسب الاقتصادية.