
يُصنف التهاب المعدة والأمعاء كأحد أكثر الوعكات الصحية شيوعاً التي تستدعي استشارة أطباء الأطفال. وهو حالة طبية تتسم بتهيج والتهاب الجهاز الهضمي، مما يؤدي بشكل رئيسي إلى حدوث نوبات من القيء والإسهال.
أولاً: المسببات الشائعة للعدوى
تتنوع العوامل المسببة لهذا الالتهاب، ويمكن إجمالها فيما يلي:
العدوى الفيروسية: وهي المسبب الأبرز، وتتمثل في فيروسات مثل “روتا فيروس” (Rotavirus) و”نورو فيروس”.
العدوى البكتيرية: وتنتج غالباً عن استهلاك طعام أو ماء ملوث، مثل بكتيريا “السالمونيلا”.
الطفيليات: ومن أشهرها “الأميبا” التي تنتقل عبر الأيدي غير النظيفة أو الأطعمة الملوثة.
العدوى الثانوية: قد يظهر الإسهال كعرض جانبي لمرض آخر يصيب الطفل، مثل التهاب الأذن الوسطى أو التهابات المسالك البولية.
التمييز بين أنواع العدوى:
رغم أن التشخيص الجزمي يتطلب فحصاً مخبرياً للبراز، إلا أن هناك مؤشرات سريرية:
العدوى الفيروسية: تبدأ عادة بقيء شديد يعقبه إسهال مائي مع حرارة متوسطة، وتشفى تلقائياً بالسوائل.
العدوى البكتيرية: يصاحبها غالباً ارتفاع حاد في درجة الحرارة، مغص شديد، وقد يظهر مخاط أو خيوط دموية في البراز، مما قد يستدعي تدخلًا بالمضادات الحيوية بوصفة طبية.
ثانياً: الأعراض السريرية وعلامات الخطر
تبدأ الأعراض غالباً بشكل فجائي، وتتضمن: القيء المستمر (خاصة في أول 24 ساعة)، الإسهال المائي، آلاماً وتقلصات في البطن، ارتفاعاً طفيفاً في الحرارة، مع خمول وفقدان للشهية.
تنبيه طبي جوهري: إن الخطر الحقيقي في هذا المرض لا يكمن في الميكروب ذاته، بل في الجفاف الناجم عن فقدان الجسم للسوائل والأملاح.
العلامات الخفية للجفاف:
يجب مراقبة الطفل بدقة للكشف عن علامات الجفاف المبكرة:
تراجع التبول: إذا انقضت أكثر من 6 ساعات دون بلل في الحفاض أو دون تبول.
مرونة الجلد: عند قرص جلد البطن برفق، إذا عاد الجلد لوضعه الطبيعي ببطء.
العين واليافوخ: ملاحظة غوران في العينين أو انخفاض في المنطقة الناعمة أعلى رأس الرضيع (اليافوخ).
السلوك العام: الخمول الشديد، النوم غير المعتاد، أو صعوبة الاستيقاظ.
متى تجب مراجعة الطوارئ فوراً؟
عند ظهور علامات جفاف شديد، أو وجود دم في البراز، أو رفض الطفل التام لتناول أي سوائل، أو استمرار القيء لأكثر من 12 ساعة دون انقطاع.
ثالثاً: البروتوكول العلاجي والرعاية المنزلية
يرتكز العلاج على تعويض الفاقد من السوائل لمنح الجسم فرصة لمقاومة العدوى:
1. محلول الإرواء الفموي (ORS):
يعتبر “محلول الجفاف” هو الحل الذهبي، ويُعطى بجرعات صغيرة ومتكررة:
قاعدة الـ 5 دقائق: تُعطى ملعقة صغيرة (5 مل) كل بضع دقائق لضمان الامتصاص وتجنب تهيج المعدة.
الصبر في العلاج: في حال تقيأ الطفل، يجب الانتظار 10 دقائق ثم معاودة الكرة ببطء أشد.
تحذير: تجنب تحضير محلول (ملح وسكر) منزلياً لعدم دقة المقادير التي قد تضر بالدماغ، واستخدم الأكياس الجاهزة من الصيدلية حصراً.
2. التغذية والرضاعة:
الرضاعة الطبيعية: يجب عدم إيقافها أبداً، فحليب الأم غني بالأجسام المضادة وسهل الامتصاص.
الغذاء المناسب: عند استقرار الحالة وتوقف القيء، تُقدم أطعمة مثل الأرز المسلوق، البطاطس المهروسة، الموز، والخبز المحمص.
الزبادي (الروب): مفيد جداً لاحتوائه على بكتيريا نافعة (البروبيوتيك) تعيد توازن الأمعاء.
تجنب السكريات: يجب الابتعاد عن العصائر المعلبة والمشروبات الغازية؛ لأن السكر يزيد من حدة الإسهال بسحب السوائل نحو الأمعاء.
3. الأدوية والمكملات:
تجنب الأدوية العشوائية: لا يجوز إعطاء أدوية “موقفة للإسهال” أو مضادات حيوية دون استشارة طبية؛ لأن الإسهال وسيلة دفاعية للجسم والمضاد قد يفاقم الحالة إذا كانت العدوى فيروسية.
بروتوكول الزنك: توصي منظمة الصحة العالمية بمكملات الزنك لمدة 10 إلى 14 يوماً لتقليل شدة الإسهال وترميم جدار الأمعاء وتقليل فرص تكرار الإصابة مستقبلاً.
رابعاً: خرافات وحقائق طبية
خرافة: يجب الامتناع عن الحليب تماماً. (الحقيقة: تُستمر الرضاعة، وقد يصف الطبيب حليباً خالياً من اللاكتوز مؤقتاً).
خرافة: التوقف عن الأكل يريح المعدة. (الحقيقة: الانقطاع الطويل يضعف المناعة؛ الأفضل وجبات صغيرة جداً ومتكررة).
خرافة: المشروبات الغازية الشفافة تعالج الجفاف. (الحقيقة: خطرها جسيم بسبب محتواها العالي من السكر).
خامساً: الوقاية والرعاية النفسية والبيئية
النظافة الشخصية: غسل اليدين هو خط الدفاع الأول.
تطهير البيئة المحيطة: الفيروسات قوية وتعيش على الأسطح، لذا يجب تطهير الأماكن بالكلور المخفف وغسل ملابس المصاب بماء ساخن بشكل منفصل.
الراحة والترطيب: يحتاج الطفل لراحة تامة، مع ضرورة استخدام كريمات واقية (مثل أكسيد الزنك) لمنع التسلخات الناتجة عن الإسهال المتكرر.
فترة العدوى: يظل الطفل ناقلاً للعدوى لمدة 48 ساعة بعد اختفاء آخر عرض، لذا يجب عدم إرساله للحضانة أو المدرسة قبل انقضاء هذه المدة.







