أراء وكتاب

الجزائر والتحولات الكبرى.. نصيحة قبل فوات الأوان

​إن القراءة المتأنية للخارطة السياسية العالمية تشير بوضوح إلى أننا نعيش مخاض ولادة نظام عالمي جديد، تتساقط فيه القلاع الأيديولوجية القديمة الواحدة تلو الأخرى، حيث لم يعد للنماذج الاشتراكية المتهالكة مكان في معادلات القوة والمال؛ فما يشهده العالم من انهيار متسارع في فينزويلا وكوبا يثبت أن التحالف مع الأوهام الماضوية يؤدي حتماً إلى الإفلاس السياسي والاقتصادي، وحتى القوى العظمى التي كانت تُعتبر سنداً تقليدياً مثل روسيا والصين، باتت تنهج سياسة “البراغماتية الصرفة”، حيث تكتفي ببيانات التنديد الجوفاء في المحافل الدولية بينما تترك حلفاءها يواجهون مصيرهم المحتوم أمام العقوبات الدولية والضغوط الجيوسياسية، وهو ما يضع الجزائر اليوم أمام مرآة الحقيقة المرة، فالمسار الذي تسلكه حالياً يضعها في مواجهة مباشرة مع منطق التاريخ، خاصة وأن المؤشرات توحي بأن الدور سيأتي على “وهران” بعد “طهران”، لتدخل الجزائر ضمن قائمة الدول المغضوب عليها دولياً بسبب ارتمائها في أحضان المحور الإيراني الذي يقتات على الفوضى وزعزعة استقرار الدول عبر وكلاء محليين.
​إن العداء المجاني الذي اختارته الإدارة الجزائرية تجاه جيرانها، وعلى رأسهم المملكة المغربية، وتوسيع دائرة الخلاف لتشمل فاعلين دوليين وازنين مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، لن يمر دون ثمن باهظ على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي، إذ تجد الجزائر نفسها اليوم معزولة في محيطها الإقليمي، تدافع عن أطروحة انفصالية متآكلة تجاوزها الزمن، فدعم جبهة “البوليساريو” اللامحدود لم يعد مجرد مناكفة سياسية للجوار، بل أصبح عبئاً أمنياً يهدد السلم الدولي، خاصة مع تواتر التقارير الاستخباراتية التي تؤكد تحول الأراضي الجزائرية إلى ممر للسلاح الإيراني الموجه لتنظيمات تسعى لتقويض الأمن في شمال وغرب إفريقيا، وهو ما يجعل تصنيف “البوليساريو” كمنظمة إرهابية مسألة وقت فقط إذا لم تنصع للشرعية الدولية وتلتحق بالوطن الأم المغرب تحت سيادة الحكم الذاتي الذي بات الحل الوحيد والواقعي المقبول أممياً، وتبرز هنا الضرورة القصوى للدولة الجزائرية في البحث عن “مخرج آمن” وفك الارتباط بهذا الملف الذي استنزف مقدرات الشعب الجزائري لعقود دون طائل، قبل أن تجد نفسها تحت طائلة العقوبات الدولية الصارمة التي تستهدف الدول الراعية للاضطرابات.
​إن تحول الجزائر إلى ساحة لنفوذ الوكلاء الإيرانيين يضعها في عين العاصفة، حيث أن طهران تحارب دوماً بعيداً عن حدودها مستخدمةً بيادق إقليمية لتنفيذ أجندتها، وما إن تحتدم المواجهة حتى يجد هؤلاء الوكلاء أنفسهم وحيدين في مواجهة المجتمع الدولي، والجزائر اليوم تخاطر بمستقبلها السياسي بتبنيها لهذا النهج الذي سيعرضها حتماً لـ “حمى الانهيار” التي أصابت فينزويلا من قبل، حيث يتلازم الفشل الاقتصادي مع العزلة السياسية ليشكلا وصفة مثالية للانفجار الداخلي، لذا فإن الحكمة تقتضي المسارعة لفض النزاعات الإقليمية المفتعلة والعودة إلى البيت العربي والإفريقي بقلب مفتوح، بعيداً عن سياسة المحاور المشبوهة، فالتاريخ لا يرحم الدول التي تغرد خارج سرب الاستقرار العالمي، والفرصة لا تزال سانحة لتدارك الموقف قبل أن تنغلق الأبواب وتصبح التكلفة فوق طاقة الاحتمال.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا