صحة

الحزاز المتصلّب عند النساء… المرض النادر الذي يصيب الجسد بصمت

الرباط _ حليمة زروال

يُعدّ الحزاز المتصلّب من الأمراض الجلدية النادرة نسبيًا التي تُصيب النساء بدرجة أكبر من الرجال، وغالبًا ما يظل غير مُشخّص لفترات طويلة بسبب طبيعته الصامتة في بداياته، أو بسبب الخلط بين أعراضه وأمراض جلدية أو التهابات شائعة. هذا المرض لا يثير القلق بسبب ندرته فقط، بل لأن إهماله قد يقود إلى مضاعفات جسدية ونفسية عميقة.
يظهر الحزاز المتصلّب أساسًا في منطقة الأعضاء التناسلية الخارجية، وقد يمتد في حالات أقل إلى مناطق أخرى من الجسم. يتميّز بتغيّرات تدريجية في الجلد تجعله رقيقًا، أبيض اللون، هشًّا، وسهل التشقق. بعض النساء يعانين من حكة شديدة أو حرقة أو ألم، خاصة أثناء العلاقة الزوجية أو التبول، بينما تمر أخريات بمرحلة صامتة لا تُرافقها أعراض واضحة، ما يؤخر طلب الاستشارة الطبية.
تشير الأبحاث الطبية إلى أن المرض غالبًا ما يكون ذا طبيعة مناعية ذاتية، حيث يهاجم الجهاز المناعي خلايا الجلد السليمة دون سبب مباشر واضح. كما لوحظ ارتباطه باضطرابات مناعية أخرى، خصوصًا أمراض الغدة الدرقية. وتُظهر الإحصاءات أن المرض يظهر بشكل أكبر في مرحلتين عمريتين: الطفولة المبكرة، وما بعد سن اليأس، ما يعزز فرضية ارتباطه بالتغيرات الهرمونية ونقص الإستروجين، مع إمكانية ظهوره في أي عمر.
من العلامات المبكرة التي كثيرًا ما تُهمل أو تُساء قراءتها: تغيّر لون الجلد إلى الأبيض اللؤلؤي، سهولة تشققه أو نزفه عند الاحتكاك، الشعور بالألم دون وجود التهابات واضحة، أو فشل العلاجات المعتادة للفطريات والحساسية. هذه الأعراض تُعد إنذارًا مبكرًا يستوجب الفحص الطبي، لا سيما أن المرض غير معدٍ ولا ينتقل عبر العلاقات الجنسية، خلافًا لما تعتقده بعض النساء.
في حال إهماله، قد يؤدي الحزاز المتصلّب إلى تليّف وتشوهات موضعية، تضييق الفتحات الطبيعية، وصعوبات وظيفية قد تؤثر بشكل مباشر على الحياة الزوجية والنفسية. وفي نسبة صغيرة من الحالات طويلة الأمد وغير المعالجة، قد يرتفع خطر التحول إلى سرطان جلدي موضعي، وهو ما يجعل المتابعة الطبية المنتظمة أمرًا ضروريًا لا ترفًا.
التشخيص يعتمد على الفحص السريري الدقيق، وقد يُعزَّز بأخذ خزعة جلدية لتأكيد الحالة واستبعاد أمراض أخرى مشابهة. ورغم أن المرض يُصنَّف ضمن الأمراض المزمنة غير القابلة للشفاء التام، فإن السيطرة عليه ممكنة وفعّالة عند التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج.
يعتمد العلاج أساسًا على استعمال مراهم كورتيكوستيرويد قوية موضعيًا، تُقلّل الالتهاب، تُعيد مرونة الجلد، وتمنع تطور المضاعفات عند استخدامها وفق إشراف طبي. وفي بعض الحالات، يتم اللجوء إلى مراهم مثبطة للمناعة أو علاجات مساعدة مثل الليزر، خاصة عندما تكون الاستجابة للعلاج التقليدي محدودة. كما تُدرس حاليًا أدوار محتملة لفيتامين D والمناعة الموضعية كعوامل مساعدة، دون أن تكون بديلًا عن العلاج الأساسي.
ولا يقل الجانب النفسي أهمية عن الجانب الجسدي، إذ تعاني كثير من النساء المصابات من القلق، الخوف، أو تراجع الثقة بالنفس، خاصة عندما يؤثر المرض على العلاقة الزوجية. لذلك يشدد الأطباء على ضرورة التعامل مع الحزاز المتصلّب كحالة صحية شاملة، تتطلب دعمًا نفسيًا إلى جانب العلاج الطبي.
وتبقى الوقاية من التفاقم جزءًا أساسيًا من التدبير اليومي، عبر تجنّب الصوابين المعطرة، الملابس الضيقة، الفرك المفرط، والمواد الكيميائية المهيّجة، مع الحرص على الترطيب والمتابعة المنتظمة.
في النهاية، يذكّرنا الحزاز المتصلّب بأن أخطر ما في بعض الأمراض النادرة ليس شدّتها، بل صمتها. فالكشف المبكر، والوعي، والمتابعة الطبية المستمرة قادرة على تحويل هذا المرض من معاناة صامتة إلى حالة يمكن التعايش معها بأمان وجودة حياة أفضل.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا