
لم يكن الحكواتي مجرّد راوٍ يتقن ترتيب الأحداث، بل كان وسيطًا بين الإنسان ومعناه، بين الواقع كما هو، والواقع كما ينبغي أن يُروى. في حضوره، لم تكن الحكاية تسلية، بل طريقة لفهم الوجود، ومحاولة بدائية للإجابة عن أسئلة كبرى: من نحن؟ ولماذا نخاف؟ وكيف ننجو بالكلام من قسوة العالم؟
كان الحكواتي يدرك، intuitively، أن الحقيقة العارية لا تُحتمل، وأن الإنسان يحتاج إلى المجاز ليواصل العيش. لذلك كانت الحكاية تُجمّل الألم دون إنكاره، وتمنح الهزيمة شكل بطولة، وتحوّل الفقد إلى درس، والزمن إلى دائرة قابلة للسرد. لم يكن يزوّر الواقع، بل يعيد تأويله ليصبح قابلًا للمعنى.
في مجلس الحكواتي، كان الزمن يتباطأ، ويتحوّل الإصغاء إلى فعل وجودي. فالإنسان، حين يصغي، يعترف ضمنيًا بحدوده، ويُسلّم قياده للآخر. وهنا تتجلّى الفلسفة العميقة للحكاية: ليست المعرفة في الكلام فقط، بل في الاستعداد لسماعه. الحكواتي لم يكن يتكلم وحده؛ كان يصغي إلى صمت الجمهور، ويعيد تشكيل القصة وفق نبضه.
الحكايات الشعبية، في هذا السياق، لم تكن نتاج خيال ساذج، بل تعبيرًا عن لاوعي جمعي. فيها تظهر المخاوف المكبوتة، والرغبات المؤجَّلة، والعدالة الغائبة التي لا تتحقق إلا في عالم السرد. البطل الذي ينتصر في الحكاية، لم يكن ينتصر نيابة عن نفسه، بل عن مستمعين عاجزين في واقعهم، فكانت القصة تعويضًا رمزيًا عن اختلال العالم.
ومع أفول الحكواتي، لم نفقد فنًا فقط، بل فقدنا علاقة خاصة بالكلام. صار الصوت متكاثرًا، لكن المعنى شحيحًا. صرنا نسمع كثيرًا، دون أن نصغي، ونقرأ دون أن نتأمل. اختفت الحكاية الطويلة، لأن الصبر نفسه صار نادرًا، وكأن الزمن لم يعد يحتمل أن يُروى.
ومع ذلك، يظل الحكواتي حاضرًا كفكرة؛ فكرة أن الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالقصص التي ينسجها حولها. فكل حضارة، في عمقها، ليست إلا حكاية كبرى اتفق أهلها على تصديقها. وحين تنهار الحكايات، ينهار المعنى، ويصبح الوجود مجرد تتابع أعمى للأحداث.
لعل استعادة الحكواتي اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل مقاومة فلسفية للنسيان، ومحاولة لإنقاذ الكلام من الابتذال، والإنسان من العزلة. فطالما وُجد من يروي، ومن يصغي، ستظل الحكاية قادرة على منح العالم معنى، ولو مؤقتًا







