أراء وكتاب

الحوثيون… من جماعة محلية إلى ورقة إقليمية في لعبة الشرق الأوسط

لم يعد الحوثيون في اليمن مجرد جماعة مسلحة نشأت في هوامش الدولة، ولا حتى سلطة أمر واقع تسيطر على صنعاء وشمال البلاد، بل تحولوا خلال عقدين إلى فاعل سياسي–عسكري إقليمي، تُحسب تحركاته في معادلات الأمن الإقليمي، ويُستدعى اسمه في تقارير التجارة العالمية وأمن الملاحة الدولية. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج مسار معقد تداخلت فيه هشاشة الدولة اليمنية، وصراعات النفوذ الإقليمي، وفشل المجتمع الدولي في إنتاج تسوية مستدامة.
نشأت الحركة الحوثية في بيئة زيدية شمالية شعرت بالتهميش السياسي والثقافي بعد قيام الجمهورية اليمنية، ووجدت في ضعف الدولة المركزية وتآكل مشروعها الوطني تربة خصبة للتمدد. غير أن اللحظة المفصلية لم تكن في البدايات الفكرية، بل في الانتقال المبكر من خطاب الاحتجاج إلى منطق السلاح. منذ 2004، دخل الحوثيون في صراع مفتوح مع الدولة، وراكموا خبرة قتالية وتنظيمية جعلتهم أكثر جاهزية من خصومهم عندما انهار النظام السياسي لاحقًا.
أحداث 2011 لم تُنتج دولة جديدة بقدر ما كشفت هشاشة القديمة. وفي هذا الفراغ، تحرك الحوثيون كقوة منظمة في بحر من التفكك، حتى وصلوا إلى صنعاء عام 2014. هنا لم يكن سقوط العاصمة مجرد حدث عسكري، بل فشل سياسي شامل لمنظومة إقليمية ودولية راهنت على انتقال هش دون معالجة جذور الصراع. ومنذ ذلك التاريخ، دخل اليمن مرحلة تدويل الحرب، بينما خرج الحوثيون من عباءة “الفاعل المحلي” إلى خانة “الرقم الصعب”.
التدخل العسكري للتحالف العربي عام 2015 أوقف التمدد الحوثي جنوبًا، لكنه فشل في إعادة بناء الدولة أو كسر بنية الجماعة. بل على العكس، أنتج صراعًا طويل النفس، سمح للحوثيين بتثبيت سلطتهم في الشمال، وبناء مؤسسات موازية، وتحويل الحرب إلى مورد سياسي واقتصادي. ومع مرور الوقت، لم تعد الجماعة تحارب فقط للبقاء، بل لإعادة تعريف دورها في الإقليم.
سياسيًا، يحكم الحوثيون نموذجًا مركزيًا صارمًا، يختزل الدولة في الحركة، والحركة في القيادة. هذا النموذج منحهم تماسكًا داخليًا نادرًا مقارنة بخصومهم المنقسمين، لكنه في الوقت ذاته خلق دولة أمنية مغلقة، تعتمد على التعبئة الأيديولوجية، وتتعامل مع المجتمع بوصفه مجال ضبط لا شريكًا سياسيًا. ورغم ذلك، فإن هذا النموذج أثبت فعاليته في إدارة الصراع، لا في إدارة السلام.
اقتصاديًا، نجح الحوثيون في بناء اقتصاد حرب مستقل نسبيًا، يقوم على الجبايات، والوقود، والتحكم في العملة، وتوظيف الموارد الدينية في السياسة. هذا الاقتصاد مكّنهم من الصمود، لكنه عمّق الانقسام الاجتماعي، ووسّع الفجوة بين سلطة تملك أدوات الجباية ومجتمع يزداد فقرًا. ومع ذلك، فإن المعادلة واضحة: الجماعة التي تدير الحرب لا تتضرر منها بقدر المجتمع الذي يعيشها.
إقليميًا، لا يمكن فهم الحوثيين خارج علاقتهم بإيران. فبعيدًا عن ثنائية “التبعية أو الاستقلال”، يبدو الحوثيون اليوم جزءًا من شبكة نفوذ إقليمية تعتمد على الفاعلين غير الدولتيين لفرض معادلات ردع منخفضة الكلفة. إيران لا تدير الحوثيين يوميًا، لكنها تستفيد منهم استراتيجيًا، بينما يستفيد الحوثيون من الدعم السياسي والعسكري والتقني لتعزيز موقعهم التفاوضي. إنها علاقة مصالح متبادلة أكثر منها علاقة أوامر.
هذا البعد الإقليمي بلغ ذروته مع انتقال الحوثيين إلى ساحة البحر الأحمر. فالهجمات على الملاحة الدولية لم تكن مجرد تضامن مع غزة، بل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات: إلى واشنطن، وإلى إسرائيل، وإلى دول الخليج، مفادها أن اليمن بات جزءًا من معادلة الردع الإقليمي. بهذا المعنى، نجح الحوثيون في تدويل قضيتهم، لكنهم في المقابل وضعوا اليمن في قلب صراع يتجاوز قدرته على الاحتمال.
ورغم التصعيد الإعلامي والتهديدات المتداولة، فإن القوة الحقيقية للحوثيين لا تكمن في سيناريوهات الهجوم البري خارج اليمن، بل في قدرتهم على إدارة حرب غير متكافئة: صواريخ، مسيّرات، ضغط بحري، وخطاب سياسي يُربك الخصوم أكثر مما يحسم المعركة. إنها حرب استنزاف محسوبة، لا مغامرة شاملة.
اليوم، يقف الحوثيون أمام مفارقة سياسية واضحة: فهم أقوياء بما يكفي لتعطيل أي حل لا يرضيهم، لكنهم غير قادرين على تحويل هذه القوة إلى شرعية دولة معترف بها. كما أن خصومهم منقسمون، والمجتمع الدولي متردد، والمنطقة مشتعلة. وفي ظل هذا المشهد، يبدو السيناريو الأقرب هو تجميد الصراع لا حسمه، وإبقاء الحوثيين لاعبًا دائمًا في يمن بلا دولة مكتملة.
في المحصلة، تحولت الحركة الحوثية من جماعة محلية تحمل مظلومية شمالية، إلى ورقة إقليمية تُستخدم في صراع أكبر من اليمن نفسه. وبينما يربح الحوثيون أوراق تفاوض جديدة، يخسر اليمن سنوات إضافية من عمر دولته، ويظل السلام مؤجلًا إلى أن تتغير معادلات الإقليم، لا موازين الداخل وحدها.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا