منوعات

الجاذب العظيم… اللغز الكوني الذي يجرّ المجرات نحو المجهول

في أعماق الكون السحيق، وعلى مسافة تُقدَّر بنحو 250 مليون سنة ضوئية من مجرّة درب التبانة، يكمن أحد أكثر ألغاز الكون إثارة وغموضاً، ظاهرة أطلق عليها العلماء اسم “الجاذب العظيم”. كيان غير مرئي، لا يُرصد مباشرة بالتلسكوبات، لكنه يمتلك من القوة ما يكفي لسحب آلاف المجرات، من بينها مجرّتنا، بسرعة هائلة نحو جهة واحدة من الفضاء، في مشهد كوني يتحدى أبسط تصورات الفهم البشري.
بدأت ملامح هذا اللغز في الظهور خلال سبعينيات القرن الماضي، عندما لاحظ علماء الفلك أن المجرات القريبة لا تتحرك فقط وفق التمدد الطبيعي للكون الناتج عن الانفجار العظيم، بل تُظهر انحرافاً جماعياً في مسارها، وكأنها تنجذب نحو نقطة خفية. ومع تطور أدوات الرصد، تبيّن أن مجرّتنا ومحيطها الكوني ينجذبون بسرعة تقارب 600 كيلومتر في الثانية نحو جهة لا يُرى فيها أي جسم فلكي واضح.
تكمن غرابة الجاذب العظيم في موقعه، إذ يقع خلف ما يُعرف بـمنطقة الحجب المجرّي، وهي منطقة كثيفة بالنجوم والغبار ضمن مجرّة درب التبانة، تمنع الرؤية البصرية المباشرة لما خلفها. وحتى باستخدام تلسكوبات الأشعة تحت الحمراء والراديوية، ظلّ الجاذب العظيم عصياً على الرصد المباشر، ولم يُعرف إلا من خلال آثاره الجاذبية على حركة المجرات.
ومع مرور السنوات، توصّل العلماء إلى أن الجاذب العظيم ليس جسماً واحداً محدداً، بل هو منطقة جاذبية مركّبة، ناتجة عن تداخل عدة عناقيد مجرّية فائقة، أبرزها عنقود نورما، تعمل مجتمعة على تشكيل ما يشبه “وادي الجاذبية” في نسيج الكون، حيث تنساب المجرات كما تنساب المياه نحو أخفض نقطة.
وفي عام 2014، أضاف الاكتشاف الأهم بعداً جديداً للغز، حين أعلن فريق دولي من علماء الفلك أن مجرّة درب التبانة تنتمي إلى بنية كونية عملاقة تُعرف باسم لانياكيا، وهي بنية تمتد على أكثر من 520 مليون سنة ضوئية وتضم ما يزيد عن 100 ألف مجرّة. ويُعتبر الجاذب العظيم بمثابة القلب الجاذبي لهذه “القارة الكونية”، والنقطة التي تنتهي عندها حركة المجرات داخلها.
وتشير التقديرات العلمية الحديثة إلى أن ما يقارب 80 في المائة من كتلة الجاذب العظيم غير مرئية، ويُرجَّح أنها مكوّنة من المادة المظلمة، تلك المادة الغامضة التي لا تُصدر ضوءاً ولا تمتصه، ولا يمكن رصدها إلا عبر تأثيرها الجاذبي. ولهذا يُعدّ الجاذب العظيم واحداً من أقوى الأدلة غير المباشرة على هيمنة المادة المظلمة في تشكيل بنية الكون.
وما يزيد المشهد تعقيداً وإثارة، أن دراسات لاحقة رجّحت أن الجاذب العظيم نفسه قد يكون منجذباً بدوره نحو بنية كونية أضخم تُعرف باسم عنقود شابلي الفائق، وهو ما يفتح باباً علمياً مذهلاً لفكرة أن الكون عبارة عن شبكة متداخلة من الجاذبات، بلا مركز نهائي، حيث تجذب الكتل بعضها بعضاً في تسلسل لا نهائي.
ورغم الاسم المثير والسيناريوهات التي تبدو مرعبة، يؤكد العلماء أن الجاذب العظيم لا يشكل أي خطر مباشر على الأرض أو النظام الشمسي، فالمسافات الكونية شاسعة، وأي تغيرات كبرى – إن وُجدت – تحتاج إلى مليارات السنين لتُحدث أثراً ملموساً.
حتى اليوم، ما يزال الجاذب العظيم لغزاً مفتوحاً على كل الاحتمالات، مثالاً حيّاً على حدود المعرفة البشرية. فالعلم قادر على قياس الحركة والكتلة بدقة مذهلة، لكنه لا يزال عاجزاً عن الرؤية الكاملة أو تقديم تفسير نهائي لهذا الكيان الغامض. وفي كون لا نهائي، قد لا تكون الغرابة في وجود أسرار كهذه، بل في اعتقادنا يوماً أننا فهمنا الكون بالكامل، بينما نحن لا نزال نرى منه سوى جزء صغير من حقيقته الهائلة

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري شبكةمحرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمي أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا