تعد مدينة الدار البيضاء، أو “كازابلانكا” كما يحلو للعالم تسميتها، أكثر من مجرد مدينة كبرى؛ إنها الروح العصرية للمملكة المغربية، والواجهة التي تطل بها أفريقيا على المحيط الأطلسي، وهي مدينة المتناقضات الجميلة حيث تتعانق الأسوار التاريخية مع ناطحات السحاب وتمتزج رائحة البحر بضجيج الأسواق والحركة الاقتصادية الدؤوبة، في موطن يعود أصله لقرون غابرة حيث تشير الدراسات الأركيولوجية لوجود بشري منذ مليون سنة بموقع طوما، بينما يبدأ تاريخها المسجل مع تأسيس آنفا على يد الأمازيغ في القرن الثامن الميلادي كمركز تجاري حيوي، قبل أن يدمرها البرتغاليون في القرن الخامس عشر ويعيدوا بناءها باسم كازا برانكا، ثم يعيد السلطان العلوي محمد بن عبد الله تشييدها بعد زلزال لشبونة مسمياً إياها الدار البيضاء لتصبح أهم مرفأ لتصدير الحبوب والصوف، وصولاً لعهد الحماية الفرنسية حين تحولت لمختبر هندسي يجمع بين الأصالة والحداثة في أحياء كالحبوس والمركز، وهي اليوم الرئة الاقتصادية للمغرب ومحرك التنمية الوطنية والقطب المالي الأول إفريقياً عبر كازابلانكا فاينانس سيتي التي تستقطب كبريات الشركات الدولية، محتضنة أكثر من نصف الوحدات الإنتاجية في البلاد بصناعات الطيران والسيارات، ومستندة لبنية تحتية عالمية تضم أكبر ميناء وشبكة البراق للقطار فائق السرعة ومطار محمد الخامس الدولي، كما تبرز كوجهة سياحية فريدة يتصدرها مسجد الحسن الثاني التحفة المعمارية التي تعلو مئذنتها مئتين وعشرة أمتار ويمتد نصفها فوق مياه المحيط، وبجانبها حي الحبوس الذي يشعرك كأنك في مدينة أندلسية عريقة بمحكمته التاريخية وأسواق كتبه، وكورنيش عين الذياب الذي يعد متنفس المدينة الأول بمطاعمه وشواطئه الممتدة، والمدينة القديمة بأسوارها التاريخية كباب مراكش، بالإضافة لمعمار الآرت ديكو الذي يزين شارع محمد الخامس، ولم تكتفِ المدينة بكونها كتلاً خرسانية بل هي مختبر فني حي بعاصمة الجرافيتي ومهرجان صباغة باغا، وسينما ريالتو التي شهدت العصر الذهبي للفن، وحي الحي المحمدي مهد المقاومة ومنبع مجموعات أسطورية كناس الغيوان، مع مطبخ متميز يجمع بين نكهات البر والبحر في سوق السمك المركزي وحلويات بنيس العريقة، وتتطلع المدينة للمستقبل كمدينة ذكية بحلول عام 2026 عبر توسعة شبكات الترامواي والباصواي ومشروع كازا-أنفا الذي يحول المطار القديم لقلب نابض بحدائق شاسعة، كما تظل مرتبطة بأسطورة الفيلم العالمي كازابلانكا الذي جسده مقهى ريك في الواقع، وتنبض بالرياضة عبر قطبيها الرجاء والوداد ومركب محمد الخامس، بانتظار تشييد ملعب الحسن الثاني الكبير في بنسليمان لاستضافة كأس العالم 2030، لتبقى الدار البيضاء مدينة لا تنام، تستمد اسمها من بيت أبيض صغير كان يستدل به البحارة، وتعد اليوم الوجهة المثالية لمن يبحث عن عبق التاريخ وروح المستقبل في آن واحد.
جواد مالك
مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية.
أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية).
عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية
أقرأ التالي
سياحة
منذ 4 أسابيع
جزيرة نغور الجوهرة البحرية لداكار
سياحة
2026-01-15
تاونات: عروس الريف وخزان المغرب النابض
منذ 4 أسابيع
“شرفة الأطلسي” الهادئة.. دليل شامل يجمع بين سحر الأسطورة وعبق التاريخ
منذ 4 أسابيع
مصممة الأزياء نزهة المريزق تشارك في أحد أكبر معارض الملابس الجاهزة والأزياء بتركيا
منذ 4 أسابيع
جزيرة نغور الجوهرة البحرية لداكار
2026-01-30
صحراء لومبول… واحة الرمال الهادئة شمال السنغال
2026-01-29
محمد عماد “العمدة المصري”: حين تكون الأخلاق خير سفير بين الشعوب
2026-01-26
الصويرة: لؤلؤة الأطلسي ومدينة الرياح العصية على النسيان
2026-01-24
الرشيدية: مملكة الواحات الأسطورية، وبوابة أسرار الصحراء والاستشفاء بالرمال
2026-01-23
خريبكة: عاصمة الفوسفاط العالمية ومدينة السينما الإفريقية
2026-01-15
إكسير الخلود: أسرار “دهان التماسك” وجمال الملكات
2026-01-15
تاونات: عروس الريف وخزان المغرب النابض
مقالات ذات صلة
شاهد أيضاً
إغلاق







