
في واحدة من أغرب الظواهر الطبيعية الموثَّقة علمياً، شهدت ولاية كيرالا جنوب الهند سنة 2001 حدثاً غير مسبوق، عندما تساقطت أمطار بلون أحمر قانٍ، بدا للسكان وكأن السماء تمطر دماً، في مشهد أثار الذعر والحيرة، وأعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول حدود العلم وغموض الطبيعة.
الظاهرة لم تكن عابرة أو محدودة، بل استمرت لعدة أسابيع متقطعة، حيث لاحظ السكان تغيّر لون مياه الأمطار بشكل واضح، حتى إن الملابس البيضاء التي تعرضت للمطر اكتست ببقع حمراء ثابتة، والطرقات تحولت إلى مساحات بلون غير مألوف، ما دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الأمر يتجاوز مجرد تقلب جوي عادي.
أمام هذا الوضع المقلق، تدخلت السلطات المحلية ومراكز البحث العلمي، وبدأت تحقيقات مخبرية دقيقة على عينات من مياه الأمطار. في الأيام الأولى، انتشرت تفسيرات متعددة، تراوحت بين التلوث الصناعي، والغبار القادم من مناطق بعيدة، وبقايا نيازك دقيقة، وصولاً إلى تفسيرات دينية وأساطير شعبية اعتبرت الظاهرة علامة غيبية أو نذيراً غير مألوف.
غير أن التحاليل المجهرية والكيميائية كشفت مفاجأة كبرى؛ إذ تبيّن أن اللون الأحمر سببه وجود كميات هائلة من خلايا بيولوجية مجهرية حية، وليست دماً ولا مركبات حديدية كما كان يُعتقد. هذه الخلايا تبيّن لاحقاً أنها أبواغ نوع نادر من الطحالب الدقيقة، تمتلك جدراناً خلوية سميكة وقدرة استثنائية على تحمّل الظروف البيئية القاسية.
وأظهرت الفحوصات أن تركيز هذه الخلايا بلغ في بعض العينات آلاف الجزيئات في كل ملليلتر واحد من ماء المطر، وهو رقم مرتفع للغاية وغير معتاد، ما يفسر شدة اللون الأحمر وكثافته. كما أثبتت الدراسات أن هذه الأبواغ قادرة على البقاء عالقة في الغلاف الجوي لفترات طويلة، وتتحمل درجات حرارة مرتفعة جداً ومنخفضة جداً، ما يتيح لها الانتقال عبر الرياح لمسافات بعيدة.
هذا الاكتشاف فتح باباً واسعاً للجدل العلمي على المستوى الدولي، حيث انخرط باحثون من أوروبا وآسيا في دراسة الظاهرة، وظهرت فرضيات متعددة، من بينها أن هذه الأبواغ نُقلت عبر تيارات هوائية عليا من مناطق قارية بعيدة. بل إن بعض الدراسات الأولية ذهبت إلى فرضيات أكثر إثارة تحدثت عن احتمال أصل غير أرضي لهذه الخلايا، قبل أن يتم استبعاد هذا الاحتمال لاحقاً لغياب الأدلة العلمية القاطعة.
ورغم أن العالم سبق أن عرف ظواهر مشابهة كالأمطار الصفراء الناتجة عن حبوب اللقاح، أو الأمطار السوداء المرتبطة بالرماد البركاني، فإن حالة كيرالا تظل الأكثر غرابة، ليس فقط بسبب اللون الأحمر الصريح، بل أيضاً بسبب استمرار الظاهرة لأسابيع كاملة، وليس لساعات أو أيام كما هو الحال في معظم الحالات المشابهة.
على المستوى الاجتماعي، خلّفت الظاهرة أثراً نفسياً كبيراً لدى السكان، حيث سُجلت حالات هلع وقلق، خاصة في القرى النائية، واضطرت بعض المدارس إلى توقيف الدراسة مؤقتاً، إلى أن أكدت الجهات الصحية أن مياه الأمطار غير سامة ولا تشكل خطراً مباشراً على الإنسان.
وتبقى حادثة المطر الدموي في الهند مثالاً حيّاً على أن الطبيعة لا تزال قادرة على إنتاج ظواهر تبدو خارقة للعادة، لكنها تخضع في النهاية لقوانين علمية دقيقة، قد يستغرق فهمها وقتاً طويلاً من البحث والجدل، قبل أن تنكشف حقيقتها.







