تُشكّل السنن الإلهية الإطار التفسيري الأعمق لحركة التاريخ الإنساني، إذ لا ينظر القرآن إلى صعود الأمم وانهيارها بوصفه نتاج الصدفة أو تقلبات الحظ، بل نتيجة مباشرة لتفاعل القيم والأخلاق والعدل والفساد مع قوانين ربانية ثابتة. فالتاريخ، في المنظور القرآني، سجلّ تطبيقي لهذه السنن، ومن تأمله بعين الوعي أدرك أن ما وقع بالأمس يمكن أن يتكرر اليوم.
من أوضح الأمثلة على سنة الظلم والزوال ما قصّه القرآن عن فرعون وقومه. فقد بلغت الدولة الفرعونية ذروة القوة والعمران والهيبة، وامتلكت أسباب السيطرة المادية، لكنها قامت على الطغيان واستعباد الناس وادّعاء الألوهية. وحين استكمل الظلم شروطه، جاءت النهاية الحاسمة:
«فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم».
لم تسقط تلك الحضارة لضعف في الموارد، بل لانهيار أخلاقي جعل بقاءها مستحيلًا في ميزان السنن.
وتتكرر الصورة مع قوم عاد، الذين امتلكوا قوة جسدية وعمرانية غير مسبوقة، حتى قالوا في غرورهم: «من أشد منا قوة». غير أن القوة حين تنفصل عن الشكر والتواضع تتحول إلى سبب للهلاك، فجاءتهم الريح العاتية، لتؤكد أن سنة الله لا تحابي الأقوياء إذا استكبروا.
أما حضارة بابل، بما بلغته من تقدم في التنظيم والمعرفة، فقد سقطت حين تحولت السلطة إلى أداة فساد واستبداد، فكانت نهايتها درسًا تاريخيًا في أن العلم وحده لا يحمي أمة فقدت بوصلتها الأخلاقية. وهو المعنى نفسه الذي تكرر في الإمبراطورية الرومانية، التي امتدت قرونًا، لكنها انهارت حين تفككت القيم الداخلية، وانتشر الظلم والترف والانقسام.
وفي المقابل، يقدّم التاريخ نماذج حيّة على سنة الإيمان والتمكين. فقيام الدولة الإسلامية الأولى لم يكن معجزة خارقة لقوانين التاريخ، بل تجسيدًا دقيقًا للسنن؛ إذ بدأ البناء بتزكية الإنسان، وترسيخ العدل، وبناء الأخلاق قبل تشييد الدولة. وحين تحققت شروط الإيمان والعمل والانضباط، جاء التمكين:
«وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض».
ويتجلّى ذلك بوضوح في عصر الخلافة الراشدة، حيث اقترن الحكم بالعدل، والسلطة بالمسؤولية، فامتد النفوذ، واستقرت المجتمعات، ليس بالقهر، بل بالقيم. وحين اختل هذا الميزان في عصور لاحقة، بدأت مظاهر الضعف تظهر تدريجيًا، تطبيقًا صارمًا لسنة التبدّل.
ويقدّم سقوط الأندلس مثالًا بالغ الدلالة على سنة الترف والانقسام. فبعد قرون من الازدهار العلمي والحضاري، بدأت عوامل السقوط من الداخل: صراع على السلطة، تراجع القيم الجامعة، وتقديم المصالح الضيقة على المصلحة العامة. ولم يكن السقوط فجائيًا، بل نتيجة تراكم طويل لانتهاك السنن، حتى جاء الانهيار المحتوم.
كما تكشف تجربة الدولة العثمانية عن سنة أخرى دقيقة، هي أن الجمود ورفض الإصلاح يؤديان إلى التراجع، مهما كان التاريخ عريقًا. فحين تعطلت آليات التجديد، وتآكل العدل الإداري، وابتعد الحكم عن مقاصده، بدأت الدولة تفقد قدرتها على الاستمرار في عالم متغير.
إن هذه النماذج التاريخية، على اختلاف أزمنتها وثقافاتها، تؤكد حقيقة واحدة: أن السنن الإلهية تعمل على الجميع بلا استثناء. فمن أخذ بأسباب العدل والعمل والنهوض ارتفع، ومن استسلم للظلم والفساد والغرور سقط، ولو بعد حين.
إن السنن الإلهية ليست سردًا وعظيًا، بل قوانين قراءة للواقع. ومن يملك شجاعة النظر في التاريخ بعين قرآنية، يدرك أن المستقبل لا يُصنع بالشعارات، بل بالالتزام الصارم بقوانين الله في النفس والمجتمع والعمران







