في قلب القارة الإفريقية، حيث كان النيل يجري شاهدًا على حضاراتٍ ضاربة في التاريخ، يعيش السودان اليوم واحدةً من أبشع المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد صراعٍ على السلطة، بل تحولت إلى طوفانٍ من الدم والدمار يجرف كل ما تبقى من مقومات الحياة.
المدن التي كانت تضج بالحياة باتت أطلالًا. الخرطوم، العاصمة التي كانت رمزًا للسيادة والوحدة، تحولت إلى مدينةٍ أشباحٍ تتنازعها المليشيات، بينما تتناثر الجثث في الشوارع وتلتهم النيران ما تبقى من البيوت والمستشفيات. في الفاشر ونيالا، يقف المدنيون في صفوفٍ طويلة بانتظار جرعة ماءٍ ملوثة أو رغيفٍ يابس، فيما الأطفال ينامون على الأرض بأجسادٍ نحيلة وأعينٍ زجاجية فقدت القدرة على البكاء.
تقول الأمم المتحدة إن أكثر من 24 مليون سوداني يعيشون اليوم انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، وإن نحو مليوني إنسان على حافة المجاعة. أما من تمكن من الهرب، فقد صار رقمًا في قوائم اللجوء الممتدة إلى مصر وتشاد وجنوب السودان وليبيا، حيث تحكي الخيام المتناثرة في الصحراء قصص أمهاتٍ فقدن أبناءهن في الطرقات وآباءٍ تركوا قراهم بعدما التهمتها الحرب.
في المستشفيات المدمرة، يختلط صراخ الجرحى بأنين المرضى الذين تفشت بينهم الكوليرا والحصبة، بينما الأطباء يعملون بلا أدوية ولا كهرباء. المشاهد الواردة من هناك تفوق الوصف: أمٌ تحتضن طفلها الذي أسلم الروح على باب مستشفى مغلق، وجنودٌ يقتحمون مخازن الإغاثة بحثًا عن الغذاء لأنفسهم، وأحياءٌ بأكملها تُمحى من الخرائط تحت وابل القصف.
المنظمات الإنسانية تصف ما يحدث بأنه “أسوأ كارثة إنسانية في العالم اليوم”، لكن أصواتها تضيع وسط ضجيج السلاح وصمت العالم. التمويل الدولي لا يغطي سوى ربع الاحتياجات، والمساعدات لا تصل إلا لمناطق محدودة، أما البقية فيُتركون لمصيرٍ قاسٍ بين الموت والجوع.
ومع ذلك، ما زال في عيون البعض بصيص أمل. فبين الركام، هناك متطوعون يوزعون الماء في زجاجاتٍ صدئة، وأطباءٌ يجرون عملياتٍ في الظلام، وأمهاتٌ يعلّمن أطفالهن القراءة تحت خيمةٍ ممزقة. السودان لم يمت بعد، لكنه يحتضر ببطءٍ أمام أعين العالم.
ويبقى السؤال الصارخ:
كم من الدم يجب أن يُسفك، وكم من الأطفال يجب أن يموتوا، قبل أن يستيقظ ضمير الإنسانية ويوقف هذه المأساة؟











