ثقافة وفن

الشِّعر العربي: بحوره وأوزانه وأعلامه بين الإيقاع والخلود

يُعَدّ الشِّعر العربي أحد أعرق الفنون الإنسانية وأشدّها اتصالًا بالوجدان واللغة والذاكرة الجماعية للأمّة. فمنذ الجاهلية، لم يكن الشعر مجرّد وسيلة للتعبير، بل كان سجلًّا تاريخيًا، ولسان حال القبيلة، ومرآةً تعكس قيم المجتمع العربي وتحولاته الفكرية والوجدانية. وقد ظلّ الشعر، عبر العصور، محتفظًا بمكانته الرفيعة، حتى قيل بحق: الشعر ديوان العرب.
مفهوم الشعر وجوهره الفني
عرّف النقاد العرب الشعر بأنه كلام موزون مقفّى يدلّ على معنى، غير أنّ هذا التعريف، وإن كان جامعًا من حيث الشكل، لا يفي بحقّ جوهر الشعر، الذي يقوم أساسًا على الإيقاع، والتصوير، والانفعال، والقدرة على شحن اللغة بطاقة جمالية تتجاوز حدود التداول اليومي. فالشعر تجربة إنسانية قبل أن يكون قالبًا فنيًا، وهو تعبير مكثّف عن الوجود، والذات، والكون.
علم العَروض: ميزان الشعر العربي
يُعدّ علم العَروض من أعظم ما أنجزه العقل العربي في ميدان النقد واللغة، وقد وضع أسسه الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري. وقد توصّل هذا العالم الجليل إلى اكتشاف النظام الإيقاعي الذي تنتظم وفقه القصيدة العربية، فحدّد التفعيلات، وضبط العلاقات الصوتية التي تمنح الشعر موسيقاه وانسجامه. ولم يكن العَروض تقييدًا للإبداع، بل إطارًا حافظ على وحدة الشعر العربي عبر القرون.
بحور الشعر العربي
استقرّ علماء العَروض على ستة عشر بحرًا شعريًا، تمثّل الأوزان الأساسية التي بُني عليها الشعر العربي، ومن أبرزها:
بحر الطويل: يمتاز بالامتداد والوقار، وكثر استعماله في المعلّقات والشعر الجاهلي.
بحر البسيط: سهل الإيقاع، متنوّع الاستعمال، شاع في الوصف والحكمة.
بحر الكامل: قويّ النبرة، يُلائم الفخر والحماسة.
بحر الوافر: عاطفيّ الإيقاع، شائع في الغزل والرثاء.
بحر الخفيف: رشيق موسيقيًا، يجمع بين السهولة والجمال.
بحر الرجز: ارتبط بالأراجيز والحِكم والأشعار السريعة.
بحر المتقارب: ذو طابع وجداني، استُخدم في الشعر القصصي والملحمي.
وقد شكّلت هذه البحور منظومة موسيقية متكاملة، منحت الشعر العربي فرادته واستمراريته.
الوزن والقافية
يقوم الوزن على انتظام التفعيلات في البيت الشعري، بينما تُعدّ القافية عنصرًا أساسيًا في إحداث التماسك السمعي والنفسي داخل القصيدة. وقد أولى النقاد العرب عناية كبيرة بالقافية، فدرسوها من حيث الرويّ وحروفها وحركاتها، لما لها من أثر بالغ في تثبيت المعنى وإحداث التأثير الجمالي.
أعلام الشعر العربي عبر العصور
العصر الجاهلي
برز شعراء أسّسوا النموذج الكلاسيكي للشعر العربي، مثل امرئ القيس، الذي عُدّ رائد القصيدة العربية في بنائها الفني، وزهير بن أبي سلمى شاعر الحكمة والتأمّل، وعنترة بن شداد شاعر البطولة والعشق، وطرفة بن العبد صاحب النزعة الوجودية المبكرة.
العصر الإسلامي والأموي
اتخذ الشعر بُعدًا قيميًا وأخلاقيًا، فبرز حسان بن ثابت في الدفاع عن الدعوة الإسلامية، وظهر الغزل العذري مع قيس بن الملوّح وجميل بثينة، إلى جانب شعر النقائض الذي اشتهر به جرير والفرزدق والأخطل.
العصر العباسي
بلغ الشعر ذروة نضجه الفني والفكري، فظهر المتنبي، الذي جمع بين الحكمة والاعتداد بالذات وقوة اللغة، وأبو تمام الذي عُرف بعمق الصورة والابتكار البلاغي، والبحتري شاعر الانسجام والجمال، وأبو نواس الذي وسّع آفاق الموضوع الشعري وحرّره من كثير من القيود التقليدية.
الشعر الأندلسي
تميّز بجماليته الخاصة، حيث ازدهر الوصف والغزل، وبرز ابن زيدون وابن خفاجة، وظهرت الموشحات والزجل، مما شكّل تطورًا موسيقيًا مهمًا داخل بنية الشعر العربي.
العصر الحديث
شهد الشعر العربي تحولات كبرى، من مدرسة الإحياء مع أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، إلى المدرسة الرومانسية مع جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي، ثم إلى الشعر الحر مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وصولًا إلى قصيدة النثر التي مثّلها أدونيس وأنسي الحاج وغيرهما.
بين الأصالة والتجديد
ظلّ الوزن والقافية محور جدل نقدي بين دعاة المحافظة وأنصار التجديد. فبينما يرى المحافظون أنّ الإيقاع الخليلي جوهر الشعر العربي، يؤكد المجدّدون أنّ الشعر روح قبل أن يكون وزنًا، وأنّ الإيقاع قابل للتطوّر ما دام محافظًا على طاقته الجمالية.
الشعر ذاكرة الأمة
يبقى الشعر العربي، على اختلاف بحوره وأوزانه ومدارسه، شاهدًا على عبقرية اللغة العربية وقدرتها على التجدد والبقاء. فهو فنّ خالد، لأنّه متجذّر في الإنسان، والإنسان لا يتوقف عن الإحساس، والتأمّل، والسعي إلى المعنى.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا