منوعات

الصحراء المغربية: من الشرعية التاريخية إلى تكريس السيادة والدبلوماسية الشاملة

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام

تعد قضية الصحراء المغربية النموذج الأبرز للصراعات التي انتقلت من سياق تصفية الاستعمار التقليدي إلى سياق تثبيت السيادة الوطنية المغربية في عالم متغير. لم يعد النزاع مجرد ملف تقني في ردهات الأمم المتحدة، بل تحول إلى قضية سيادية وجودية للمملكة المغربية، وورقة توازن إقليمي في شمال إفريقيا. وبين إرث تاريخي معقد وواقع دبلوماسي جديد، يشهد الملف تحولات لافتة تضع مقترح الحكم الذاتي كخيار وحيد وأوحد على الطاولة الدولية.

أولاً:خضعت الصحراء للاستعمار الإسباني منذ أواخر القرن التاسع عشر، وحملت اسم الصحراء الإسبانية. ومع تصاعد موجات التحرر الوطني، خاض المغرب معركة قانونية ودبلوماسية لاسترجاع أقاليمه الجنوبية. وفي عام 1975، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً أكدت فيه وجود روابط قانونية و البيعة بين قبائل الصحراء والعرش المغربي، مما أثبت السيادة قبل دخول الاستعمار.

جاءت عبقرية الملك الحسن الثاني رحمه الله في المسيرة الخضراء، التي لم تكن مجرد تحرك شعبي لـ 350 ألف مغربي، بل كانت أداة لفرض واقع سياسي جديد أجبر إسبانيا على توقيع اتفاقية مدريد في 14 نوفمبر 1975، والتي نصت على انسحاب إسبانيا وتقاسم الإدارة، لتنهي بذلك الوجود الاستعماري رسمياً وتفتح الباب لعودة الإقليم إلى حوزة المملكة المغربية.

ثانياً: بموجب اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991، أنشأت الأمم المتحدة بعثة مينورسو بهدف تنظيم استفتاء لتقرير المصير. غير أن هذا المسار اصطدم بعقدة تحديد الهوية؛ إذ برز خلاف جوهري حول لوائح الناخبين، مما أثبت استحالة تطبيق معايير الاستفتاء التقليدي في منطقة ذات طبيعة قبلية بدوية. ومع مطلع الألفية، أدرك المجتمع الدولي أن الاستفتاء خيار غير قابل للتطبيق، مما دفع الأمم المتحدة للبحث عن حل سياسي واقعي وبراغماتي ودائم.

ثالثاً:في عام 2007، أحدث المغرب انعطافة تاريخية في مسار النزاع المفتعل بتقديمه لمبادرة الحكم الذاتي، والتي تُعد مقترحاً ثورياً يزاوج بين الحكامة العصرية والسيادة الوطنية الكاملة؛ إذ لا تكتفي هذه المبادرة بتقديم حل سياسي واقعي، بل تؤسس لنموذج تدبيري متقدم يمنح ساكنة الصحراء المغربية صلاحيات واسعة لإدارة شؤونهم عبر برلمان وحكومة محلية منتخبة تتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية حقيقية، إضافة إلى إدارة مستقلة للموارد والضرائب ونظام قضائي محلي يراعي خصوصيات الإقليم، وكل ذلك تحت السيادة الترابية للمملكة المغربية، مما يجعلها الخيار الوحيد الذي يضمن الكرامة والاستقرار.

رابعاً:شكل ديسمبر 2020 لحظة فارقة حين أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب الكاملة على الصحراء. هذا الاعتراف تحول إلى عقيدة ثابتة في الإدارة الأمريكية، وتلا ذلك تحول استراتيجي في مواقف قوى وازنة مثل إسبانيا وألمانيا وفرنسا، التي باتت ترى في الحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية لحل النزاع، مما يعكس إدراكاً دولياً بأن استقرار المنطقة يمر حتماً عبر مغربية الصحراء.

خامساً:بالموازاة مع الانتصارات الدبلوماسية، اعتمدت المملكة استراتيجية السيادة عبر التنمية لتحويل الأقاليم الجنوبية إلى قطب اقتصادي قاري؛ فلم تعد مدينتا العيون والداخلة مجرد مراكز حضرية في الصحراء المغربية، بل تحولتا إلى قاطرة للتنمية العالمية بفضل مشاريع مهيكلة مثل ميناء الداخلة الأطلسي الذي سيعيد رسم خارطة التجارة في غرب إفريقيا، والاستثمارات الضخمة في الطاقات المتجددة التي جعلت من المنطقة منجماً للذهب الأخضر تعول عليه أوروبا لتأمين انتقالها الطاقي، وصولاً إلى الربط القاري عبر الطريق السريع تزنيت-الداخلة. وهذا التحول التنموي يمثل الدليل القاطع على اندماج الإقليم نهائياً في النسيج الوطني المغربي، محولاً الأطروحات الانفصالية إلى مجرد خطابات معزولة عن الواقع الملموس.

سادساً:إن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية ليس مجرد خلاف إقليمي عابر، بل هو نتاج مباشر لسياسات النظام الجزائري الذي يحكمه جنرالات العسكر، والذين جعلوا من قضية الوحدة الترابية للمملكة هدفاً لاستنزاف المنطقة وتعطيل نموها. فالجزائر ليست مجرد مراقب كما تدعي، بل هي طرف مباشر وأساسي في هذا النزاع، حيث تسخر ميزانياتها ومواقفها الدبلوماسية لدعم الأطروحات الانفصالية وإيواء كيان وهمي فوق ترابها. والأدهى من ذلك، أن هذا الدعم يتمركز فوق أراضي الصحراء الشرقية المغربية، التي تثبت الوثائق التاريخية والروابط القانونية والبيعية أنها جزء لا يتجزأ من التراب المغربي اقتطعه الاستعمار الفرنسي وضمه للجزائر؛ حيث يستغل العسكر الجزائري هذه الأراضي السليبة لتكون منصة لاحتضان الميليشيات الانفصالية وتغذية التوتر، في محاولة يائسة لطمس الحقيقة التاريخية والجغرافية التي تؤكد أن الصحراء، بشرقها وغربها، كانت وستبقى مغربية. في المقابل، انتقل المغرب إلى الهجوم الدبلوماسي عبر المبادرة الأطلسية لمنح دول الساحل منفذاً على المحيط الأطلسي عبر الصحراء المغربية، مما يعيد تعريف المنطقة كمركز للتعاون الدولي ويضع الخصوم في زاوية ضيقة أمام المصالح الاقتصادية المشتركة.

سابعاً:تجمع المعطيات الجيوسياسية الراهنة على أن ملف الصحراء المغربية يمضي بثبات نحو الحسم النهائي خارج القوالب التقليدية، مدفوعاً بزخم “دبلوماسية القنصليات” التي تجسدت في فتح أكثر من 30 دولة لتمثيلياتها في العيون والداخلة كإقرار دولي صريح بالسيادة المغربية، يقابله تآكل وانهيار مستمر في بنية الكيان الانفصالي الذي يعاني من صراعات داخلية حادة وسحب متتالٍ للاعترافات الدولية. هذا الواقع، معززاً بتوجه مجلس الأمن الدولي نحو تبني “الحل السياسي الواقعي والعملي”، يحصر الخيارات الدولية في مقترح الحكم الذاتي المغربي، ويؤكد أن زمن المناورات قد ولى لصالح الحقيقة التاريخية والجغرافية التي تجسد مغربية الصحراء.

إن ملف الصحراء المغربية لم يعد مجرد نزاع حدودي، بل أصبح معركة وجود وتنمية. وبين شرعية تاريخية لا تتزحزح، وواقع دبلوماسي يميل بقوة لصالح الرباط، يبدو أن خيار “الحكم الذاتي” هو المخرج الوحيد الذي يضمن الاستقرار الإقليمي. لقد انتقل المغرب من مرحلة “تدبير النزاع” إلى مرحلة “فرض الحل”، ليغلق بذلك واحداً من أطول فصول التوتر في القارة الإفريقية.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا