أراء وكتاب

​الصحراء المغربية وفرصة البعث المغاربي: من منطق الصراع إلى آفاق التكامل الإقليمي

بينما تطوي الدبلوماسية الدولية سجلات الماضي وتفتح صفحة “الحكم الذاتي” كخيار وحيد وواقعي لحل نزاع مفتعل، تظل التساؤلات قائمة حول إصرار النظام الجزائري على التشبث بأطروحات “الاستفتاء” التي لم تعد تجد لها صدى إلا في ممرات التاريخ المهجور. إن هذا التعنت لا ينبع من مبادئ قانونية بقدر ما يتغذى على هواجس جيوسياسية عميقة؛ فالجزائر تدرك تمام الإدراك أن الحسم النهائي لمغربية الصحراء، بمدنها التي باتت ورشاً مفتوحاً للتنمية الشاملة، سيعني بزوغ المغرب كقوة إقليمية كاسحة اقتصادياً وسياسياً، قادرة على منافسة كبريات الاقتصادات العالمية، وهو تحول يخشى النظام العسكري أن يكسر الهيمنة التقليدية ويخلق واقعاً جديداً لا مكان فيه لسياسات المحاور البائدة.
كما أن العودة المرتقبة للمحتجزين في مخيمات تندوف إلى حضن وطنهم وتلاحمهم مع إخوتهم في الداخل، سيشكل مجتمعاً موحداً ينسف عقوداً من التضليل الممنهج، ويجعل من الرفاهية والحرية التي يعيشها إنسان الصحراء اليوم رداً عملياً وصادماً على صورة “التخلف” التي حاولت البروباغاندا الجزائرية تسويقها، قبل أن يفضحها الواقع المبهر الذي شاهده العالم في “كان 2025”.
​إن المأزق الحقيقي الذي يواجهه صانع القرار في الجزائر يتجاوز الجغرافيا ليصل إلى صميم البقاء السياسي؛ فانتهاء قصة “الصحراء” يعني تجريد النظام من شمّاعة “العدو الكلاسيكي” التي تُشغل الشعب عن أزماته الداخلية وتساؤلاته المشروعة حول مصير ثروات الغاز والنفط المهدورة. إن شبح الثورة الشعبية والمحاسبة على ضياع مقدرات البلاد هو ما يدفع نحو إبقاء الجرح نازفاً، خوفاً من أن يرتد الغضب إلى الداخل فور توقف طبول الحرب الوهمية. وما يزيد من قتامة المشهد الجزائري هو أن هذا الإصرار على استنزاف الوقت إنما هو استنزاف للجزائر نفسها قبل غيرها؛ إذ تجد الجارة الشرقية نفسها في عزلة دولية متفاقمة بعد أن اصطفت كبريات العواصم العالمية من واشنطن إلى باريس ومدريد ومعظم العواصم العربية خلف الطرح المغربي.
بل إن الموقف بدأ ينزاح حتى لدى الحلفاء التقليديين للجزائر مثل روسيا والصين، اللتين باتتا تنظران بواقعية للمقترح المغربي، مما يضع الجزائر في مواجهة مباشرة مع منطق التاريخ وحتمية الجغرافيا.
​ولتشخيص المخرج من هذا الانسداد، لم يعد هناك بديل عن طاولة الحوار القائم على مبدأ “رابح-رابح” الذي طالما دعا إليه جلالة الملك محمد السادس؛ حلٌّ يتطلب من الجزائر شجاعة التخلي عن الأوهام والانخراط في بناء “المغرب العربي الكبير” على غرار النموذج الأوروبي.
إن فتح الحدود وكسر العزلة ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل هو ضرورة حتمية للحفاظ على اللحمة الشعبية والنهوض باقتصاد المنطقة ككتلة واحدة، حيث تتحول الصحراء من نقطة خلاف إلى قاطرة للتنمية تربط القارة الإفريقية بالعالم، وتنهي زمناً ضائعاً من الصراع لفائدة مستقبل مشترك يسوده النماء والاستقرار.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري شبكةمحرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمي أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا