اسلاميات

الصوم: معجزة الروح والجسد

​يُعد الصوم في جوهره هندسة شاملة للإنسان، فهو ليس مجرد حرمان مؤقت من الطعام والشراب، بل منظومة إصلاحية تتداخل فيها السماء بالأرض والروح بالجسد لتنتج كائناً نقياً في أرقى مراتب الكمال البشري. وقد خص الله الصائمين بمراتب تشريفية لم تمنح لغيرهم، وتتجلى دقتها في النسبة الإلهية المطلقة التي وردت في الحديث القدسي “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”، مما يعني أن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لا يدخلها الرياء لأنها سر بين العبد وربه، كما أن أجره غير محكوم بالمقاصة يوم القيامة، فلا يؤخذ من أجر الصوم لوفاء مظالم العباد بل يتحملها الله عن العبد ليُبقي له صومه.
​والصوم هو الحالة التي تتهيأ فيها الروح لاستقبال كلام الله، فجميع الكتب السماوية نزلت في رمضان، وكأن الجوع هو القناة التي تفتح الاتصال بين العبد والملكوت، وينفرد الصائمون بباب الريان الذي لا يدخله غيرهم، ويأتي الصيام يوم القيامة مجسداً ليشفع لصاحبه، بينما تكون رائحة فم الصائم (الخلوف) عند الله أطيب من ريح المسك لأنها أثر العبودية الصادقة.
​وعلى الصعيد النفسي، يعمل الصوم كأداة لتجلية البصيرة وكسر الكبر، فالجوع يذكر الإنسان بضعفه ويذيب الأنانية ويولد الرحمة بالفقراء، وكما يقول الحكماء “من جاع بطنه صفت فكرته”، حيث يقلل الصوم من الدخان الذي يغطي القلب بكثرة الطعام، مما يزيد من حدة التركيز وتضييق مجاري الشيطان بإضعاف الوسوسة فسيولوجياً عبر تقليل الطاقة الموجهة للشهوات.
​أما من الناحية البيولوجية، فقد أثبت العلم الحديث أن الصيام يحفز عملية الالتهام الذاتي (Autophagy) التي يقوم الجسم خلالها بتفكيك وإعادة تدوير البروتينات التالفة والخلايا الهرمة، مما يجدد أعضاء الجسم ويحارب الشيخوخة والسرطان. كما يرتفع إفراز هرمون النمو بنسب تصل إلى 2000%، مما يساعد في بناء العضلات وحماية الكثافة العظمية، ويحفز الصوم بروتين (BDNF) الذي يعمل كسماد للأعصاب، مما يساهم في نمو خلايا دماغية جديدة ويحمي من الزهايمر، فضلاً عن إعادة ضبط الساعة البيولوجية وتقليل الإجهاد التأكسدي الذي يدمر الحمض النووي DNA.
​ولكي يصل الصائم لهذه الفضائل، عليه أن يرتقي من صوم العموم الذي يكتفي بكف البطن والفرج، إلى صوم الخصوص الذي يكف فيه الجوارح عن اللغو والإثم، وصولاً إلى صوم خصوص الخصوص حيث يصوم القلب عن الأفكار الدنيوية ليكون حاضراً مع الله بالكلية، ليصبح الصيام بذلك “إعادة ضبط مصنع” تمنح الإنسان أمعاءً جديدة، وعقلاً صافياً، ونفساً قوية، وروحاً معلقة ببارئها.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري شبكةمحرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمي أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا