
يُعد ارتفاع الكوليسترول من أبرز الأمراض الصامتة التي تهدد صحة الإنسان، إذ لا تظهر له أعراض مباشرة في أغلب الحالات، لكنه يفتح الباب أمام أمراض القلب والشرايين التي تُعتبر السبب الأول للوفيات عالميًا. فالكوليسترول مادة دهنية طبيعية يفرزها الكبد، كما تدخل إلى الجسم عبر الغذاء، وتؤدي دورًا أساسيًا في بناء الخلايا وإنتاج الهرمونات، غير أن ارتفاع مستوياته، وخاصة الكوليسترول الضار (LDL)، يحولها إلى عنصر خطر قاتل يسرّع انسداد الشرايين.
الدراسات العلمية الحديثة تؤكد أن الكوليسترول قد يكون مرضًا وراثيًا في حالات كثيرة، إذ يُعرف ما يسمى بـ”فرط كوليسترول الدم العائلي”، وهو اضطراب جيني ينتقل عبر الأجيال. وتشير بيانات مراكز البحث العالمية إلى أن هذه الحالة تصيب واحدًا من كل 250 شخصًا تقريبًا، أي ما يناهز 30 مليون إنسان عبر العالم. وفي شكله الحاد، يمكن أن يؤدي المرض إلى نوبات قلبية مبكرة، حتى في مرحلة الطفولة أو الشباب، نتيجة الطفرات التي تصيب جينات مسؤولة عن تنظيم الدهون في الدم مثل LDLR وAPOB وPCSK9.
أما في المغرب، فقد كشفت دراسة وطنية أجريت سنة 2000 أن نسبة المصابين بفرط كوليسترول الدم بلغت نحو 29%، مع تفاوت بين الرجال والنساء، وارتفاع واضح في المدن مقارنة بالبوادي. وفي مسح وطني أكثر حداثة (STEPS 2017)، انخفضت النسبة إلى حوالي 13% في جهات الرباط–سلا–القنيطرة والدار البيضاء–سطات، ما يعكس تحسنًا في الوعي الصحي وأساليب الفحص. لكن رغم ذلك، تبقى الأرقام مقلقة، خصوصًا إذا علمنا أن أمراض القلب الوعائية تتسبب في أكثر من 134 ألف وفاة سنويًا بالمملكة، بحسب بيانات الاتحاد العالمي للقلب.
العوامل الوراثية ليست وحدها المسؤولة عن تفاقم الخطر، فأسلوب الحياة يلعب دورًا محوريًا. التغذية الغنية بالدهون المشبعة، وقلة النشاط البدني، والتدخين، والسمنة، كلها عوامل ترفع من مستويات الكوليسترول وتسرّع المضاعفات. وتشير بعض الدراسات الميدانية في المغرب إلى أن ما يزيد عن ربع السكان البالغين يعانون من فرط الكوليسترول إلى جانب أمراض أخرى مثل السمنة والسكري، مما يضاعف التحديات أمام المنظومة الصحية.
التشخيص المبكر يبقى السلاح الأهم لمواجهة المرض، إذ يتيح للأطباء وصف أدوية فعالة مثل “الستاتينات” أو “مثبطات PCSK9″، مع متابعة دقيقة لنمط الحياة. أما في الحالات الوراثية، فإن الفحص العائلي المبكر يمكن أن ينقذ حياة أفراد الأسرة، عبر كشف الاستعداد الوراثي واتخاذ التدابير الوقائية قبل فوات الأوان.
هكذا يظهر أن الكوليسترول ليس مجرد رقم في التحاليل الطبية، بل جرس إنذار ينبغي التعامل معه بالجدية المطلوبة، خاصة في ظل تزايد معدلات الإصابة في المغرب والعالم. إنه مرض يجمع بين الوراثة وسلوكيات الحياة اليومية، ولا سبيل لمواجهته إلا بالوعي الصحي، التغذية السليمة، والوقاية المبكرة التي تضمن قلوبًا سليمة وحياة أطول.