أراء وكتاب

​الملحمة التشريعية ومنظومة العدالة بالمغرب: قراءة في “مشاريع القوانين” التي فجرت غضب أصحاب البذل السوداء

لا يمكن اختزال إضراب المحامين بالمغرب في كونه توقفاً عن العمل، بل هو “انتفاضة قانونية” ضد حزمة من المشاريع التشريعية التي يراها الدفاع محاولة لإعادة صياغة مفهوم العدالة بعيداً عن ضمانات المحاكمة العادلة. إن المعركة تدور في ثلاث جبهات متداخلة: قانون المهنة، المسطرة المدنية، والمسطرة الجنائية.
​أولاً: قانون المحاماة.. صراع الاستقلالية وحصانة “البذلة”
​يعتبر قانون المهنة هو “الدستور” الذي يضمن للمحامي القدرة على الدفاع عن الآخرين. تكمن أزمة المسودة الجديدة في محاولة فرض “وصاية إدارية” على مهنة حرة:
​1. ضرب مبدأ التدبير الذاتي (الاستقلالية):
تاريخياً، المحاماة مهنة مستقلة تسيرها هيئاتها ونقباؤها. المسودة الجديدة حملت مقتضيات تمنح وزارة العدل صلاحيات أوسع للتدخل في القرارات المهنية، خاصة في الشق التأديبي، مما يجعل “النقيب” تحت ضغط الإدارة عملياً، وهو ما يرفضه المحامون متمسكين بمبدأ أن “المحامي لا يحاكمه إلا زملاؤه”.
​2. حصانة الترافع و”سيف” النظام العام:
يطالب المحامون بنص صريح يمنع اعتقال المحامي أو متابعته بسبب ما يبديه من آراء أو مرافعات (حصانة الكلمة والمحررات). إلا أن التوجه التشريعي الجديد يضع استثناءات مطاطية تتعلق بـ “احترام المؤسسات” أو “النظام العام”، وهي عبارات يخشى الدفاع استخدامها لإسكات الأصوات الجريئة داخل القاعات، مما يقتل “روح الدفاع” ويحول المحامي إلى مجرد “مؤثث” للمشهد القضائي.
​3. إشكالية التكوين والشركات المهنية:
بينما تصر الوزارة على “معهد وطني” لتخريج المحامين تحت إشرافها، يرى المحامون في ذلك تجريداً للهيئات من دورها في نقل أعراف المهنة. كما أن الدفع نحو “شركات المحاماة الكبرى” يهدد المكاتب الصغرى بالسحق لصالح لوبيات قانونية، مما يفرغ المهنة من بعدها الإنساني والاجتماعي.
​ثانياً: المادة 17 من المسطرة المدنية.. “زلزال” حجية الأحكام
​تمثل المادة 17 من مشروع قانون المسطرة المدنية الذروة في هذا الصدام، وهي المادة التي وُصفت بأنها “إعدام للأمن القضائي”.
​1. نسف استقرار الأحكام:
تمنح هذه المادة للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بإيعاز من وزير العدل، الحق في طلب إلغاء أي حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به إذا تبين أنه “يخالف القانون”. هذا المقتضى يعني أن الأحكام القضائية لم تعد “عنواناً للحقيقة” بل أصبحت “مؤقتة”، مما يضرب في الصميم الفصل 126 من الدستور الذي ينص على إلزامية الأحكام النهائية.
​2. تغول السلطة التنفيذية:
بما أن الطلب يمر عبر وزير العدل (عضو الحكومة)، فإن ذلك يفتح الباب للتدخل السياسي في نزاعات الأفراد، مما يهدد الاستقرار التعاقدي وثقة المستثمرين والمواطنين في المنظومة القضائية.
​ثالثاً: المسطرة المدنية والجنائية.. العدالة بين “النجاعة” و”الإقصاء”
​إلى جانب المادة 17، هناك مقتضيات أخرى مست جوهر حق التقاضي:
​1. تقييد الطعون (العدالة الطبقية):
تضمن المشروع رفع “العتبة المالية” للولوج للاستئناف والنقض، مما يحرم الفئات الهشة من مراجعة أحكامها في القضايا البسيطة، بينما يظل هذا الحق متاحاً فقط للقضايا ذات المبالغ الكبيرة، وهو مساس صارخ بمبدأ المساواة أمام القانون.
​2. النيابة الإجبارية وغرامات “سواء النية”:
سمح المشروع بالتقاضي دون محامٍ في حالات معينة، وهو ما يراه المحامون “تضليلاً” للمواطن الذي سيجد نفسه وحيداً أمام تعقيدات المسطرة وغرامات “سواء النية” التي فرضها المشروع (تصل لـ 10 آلاف درهم)، مما يحول القضاء إلى “سباق حواجز” مالي وإجرائي يرهب المتقاضي.
​3. المسطرة الجنائية وضمانات الحرية:
في الشق الجنائي، يطالب المحامون بحضور إلزامي وفعال منذ اللحظات الأولى للاعتقال لدى الشرطة القضائية، رافضين أي مقتضيات تضيق على حق الدفاع في الاطلاع على المحاضر، معتبرين أن أي مساس بضمانات الدفاع هو تمهيد لانتهاك الحريات الفردية.
​رابعاً: العبء الضريبي والرقمنة القسرية
​لا تكتمل الصورة دون الإشارة للضغط المالي عبر “التسبيق الضريبي” عن كل ملف، والرقمنة التي تفتقر للبنية التحتية اللازمة لحماية السر المهني. يرى المحامون أن هذه الإجراءات تهدف لتسليع المهنة وتحويل المحامي إلى “جابي ضرائب” و”مساعد إداري” بدلاً من كونه شريكاً في إنتاج العدالة.
​إن إضراب المحامين بالمغرب هو وقوف ضد “فلسفة حسابية” تضحي بالجودة والحقوق من أجل “أرقام النجاعة”. فالمحامي لا يدافع عن “امتيازات فئوية”، بل يدافع عن ميزان قوى يضمن ألا تُسحق حقوق المواطن تحت عجلات الآلة التشريعية والقضائية.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا