برامج

برنامج “نبتة”… مقاربة تربوية ذكية لبناء شخصية الطفل

في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع، وتغيّر أنماط التنشئة داخل الأسرة والمدرسة، باتت الحاجة ملحّة إلى برامج تربوية جديدة تُواكب الطفل بلغته، وتخاطب وجدانه قبل سلوكه. من هذا المنطلق، يبرز برنامج “نبتة” كتصور تربوي متكامل يهدف إلى مساعدة الأطفال على النمو النفسي والسلوكي السليم، بعيداً عن التلقين والعقاب، وقريباً من الفهم والاحتواء.
يرتكز البرنامج على فكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في مضمونها، وهي أن الطفل لا يُربّى بالأوامر وحدها، بل بالرعاية، الحوار، والقدوة. فكما تحتاج النبتة إلى بيئة مناسبة لتنمو، يحتاج الطفل إلى مناخ تربوي آمن يسمح له بالتعبير، الخطأ، والتعلّم دون خوف أو ضغط.
يعتمد “نبتة” على أنشطة تربوية موجهة للأطفال ما بين خمس واثنتي عشرة سنة، مع إمكانية تكييفها حسب العمر. ويشتغل البرنامج على ترسيخ القيم الأساسية مثل الاحترام، الصدق، تحمل المسؤولية، التعاون، والتسامح، ليس عبر الوعظ المباشر، بل من خلال قصص قصيرة، مواقف تمثيلية، ونقاشات بسيطة تجعل الطفل شريكاً في الفهم لا متلقياً سلبياً.
كما يمنح البرنامج حيّزاً مهماً للتربية العاطفية، حيث يتعلم الطفل التعرف على مشاعره المختلفة، كالغضب والخوف والحزن والفرح، وتسميتها والتعبير عنها بطريقة صحية. فبدل قمع المشاعر أو تجاهلها، يُدرَّب الطفل على فهمها والتحكم فيها، وهو ما ينعكس إيجاباً على سلوكه وثقته بنفسه.
وفي الجانب السلوكي، يبتعد البرنامج عن أسلوب العقاب القاسي أو التوبيخ، ويعتمد ما يُعرف بالانضباط الإيجابي، القائم على توضيح الخطأ، تحمّل المسؤولية، والتعلّم من التجربة. فالخطأ في هذا التصور ليس فشلاً، بل فرصة للتعلّم وبناء الوعي.
ولا يغفل “نبتة” تنمية المهارات الحياتية الأساسية، مثل حل المشكلات، اتخاذ القرار، التفكير قبل الفعل، والعمل الجماعي. وهي مهارات تُعد ضرورية لإعداد الطفل لمواجهة الحياة بثقة واستقلالية، لكنها غالباً ما تغيب عن المناهج التقليدية.
ويمتد أثر البرنامج ليشمل الأسرة، من خلال تشجيع الوالدين على الحوار اليومي مع الطفل، وتوحيد أسلوب التعامل داخل البيت، بما يضمن انسجام الرسائل التربوية وعدم تناقضها. فنجاح أي برنامج تربوي يظل رهيناً بدور الأسرة باعتبارها الإطار الأول للتنشئة.
ويتميّز البرنامج بعدم اعتماده المفرط على الشاشات، بل يوازن بين الحوار، اللعب، الأنشطة الحركية، والرسم، ما يجعله مناسباً للأطفال في زمن طغت فيه الأجهزة الذكية على تفاصيل الطفولة.
في المحصلة، يقدم برنامج “نبتة” نموذجاً عملياً لتربية معاصرة، تُراعي نفسية الطفل، وتواكب تحديات العصر، دون التفريط في القيم الإنسانية الأساسية. إنه برنامج لا يَعِد بتغيير فوري، بل ببناء هادئ ومتدرّج لطفل أكثر توازناً، وثقة، وقدرة على التفاعل الإيجابي مع محيطه.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا