أراء وكتاب

“بروتوكول الظل”.. هل تُباع الجغرافيا السياسية في سوق الابتزاز بملفات “أبستين”؟

​بينما تقف منطقة الشرق الأوسط على فوهة بركان، يتكشف أمامنا واحد من أعقد المخططات الجيوسياسية في العصر الحديث. إن ما يحدث الآن ليس مجرد تحركات عسكرية، بل هو تقاطع شيطاني بين القوة العسكرية الغاشمة والابتزاز المعلوماتي القذر. نحن هنا نفكك الخيوط التي تربط بين تحرك أسطول “الأرمادا” الأمريكي، وانهيار العمق الإيراني، وانفجار وثائق “جزيرة أبستين”.
​لقد وجهت الولايات المتحدة الأمريكية أسطول “الأرمادا” الضخم نحو الشواطئ الإيرانية في رسالة حربية لا تقبل التأويل، لكن الضربة الحقيقية بدأت من الداخل؛ حيث تعيش إيران منذ أواخر 2025 موجة اضطرابات هي الأعنف في تاريخها، مع وصول سعر الصرف إلى مستويات انتحارية، وإقرار تقارير سرية بوجود حالة “وضع النجاة” للنظام. إن سنوات الحصار لم تكن مجرد عقوبات، بل عملية “تجويع استراتيجي” جعلت الجبهة الداخلية قنبلة موقوتة قابلة للانفجار مع أول ضربة خارجية، بينما تروج الأنباء عن “جلسات حوار” مخادعة ليست سوى تخدير دبلوماسي لمنع أي رد فعل استباقي بينما تأخذ الأساطيل مواقعها النهائية.
​وفي هذا التوقيت القاتل، قررت وزارة العدل الأمريكية نشر ملايين الوثائق والفيديوهات من أرشيف جيفري أبستين، ليتحول هذا الملف من قضية جنائية إلى سلاح “كومبرومات” دولي يُجلد به معارضو الحرب. فالعديد من الدول، العربية والغربية، التي كانت تعارض الضربة العسكرية خوفاً على مصالحها، صمتت فجأة بمجرد ظهور أسماء شخصياتها المحورية في قوائم الفضيحة. الرسالة كانت واضحة وصادمة: “نحن نعرف كل شيء عن نزواتكم، فإما الصمت عن الحرب أو الانتحار السياسي بفيديو من الجزيرة”.
​تقف إسرائيل في قلب هذا المشهد كالمحرك الرئيسي، مسابقةً الزمن لتصفية التهديد الوجودي وحذف الخطر النووي للأبد، مستغلة ضعف إيران التاريخي وتوريط “الأرمادا”. وفي ذات الوقت، تسعى للهروب من الفضيحة بالدماء؛ فمع ورود اسم ترامب وأسماء قيادات إسرائيلية وأمريكية بارزة في الوثائق، أصبحت الحرب هي الوسيلة الوحيدة لصرف الأنظار وتوريط العالم في مواجهة كبرى تجعل من المستحيل محاسبة هؤلاء القادة وسط حالة الطوارئ العالمية.
​وإدراكاً من هذه النخب لخطورة ما قد يتسرب، يبدو أن المخرج الاستراتيجي قد وُضع بعناية عبر ضرب عمق الوثائق من الداخل؛ وذلك من خلال إغراق الفضاء الرقمي بفيديوهات صُممت بالذكاء الاصطناعي تحاكي تورط الشخصيات ذاتها، لخلق حالة من “الفوضى المعلوماتية” يختلط فيها الحق بالباطل. هذه الهندسة التقنية تهدف إلى جعل الحقيقة غارقة في بحر من التزييف، مما يمنح المتورطين مخرجاً آمناً للادعاء بأن علاقتهم بأبستين لم تتعدَّ المعرفة السطحية بملياردير لا يتحملون مسؤولية نزواته الخاصة. وبذلك، يتم دفن الحقيقة من جديد تحت ركام التكنولوجيا وصخب المدافع، لتظل السيادة الوطنية للدول رهينة في يد من يتحكم في خيوط اللعبة. إننا أمام مشهد يتم فيه التضحية باستقرار إقليمي شامل مقابل حماية النخب العالمية من السقوط، حيث تظل “الأرمادا” هي العصا، و”وثائق أبستين” هي المحرقة التي تُبنى على رمادها توازنات القوى الجديدة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا