في مشاهد تبدو وكأنها خارجة من عالم الأساطير، يقف الإنسان وجهًا لوجه أمام النار، لا هروبًا منها بل عبورًا فوقها. أقدام عارية تمشي على جمرٍ ملتهب، وأجساد تمرّ بين ألسنة اللهب، دون أن تُصاب بحروق تُذكر. هذه الظاهرة الواقعية، التي شوهدت ووُثّقت في أماكن متعدّدة من العالم، أثارت دهشة العامة وحيرة العلماء، وطرحت سؤالًا بسيطًا في ظاهره عميقًا في جوهره: كيف يمكن للإنسان أن لا يحترق؟
تُعرف هذه الظاهرة باسم المشي على الجمر (Firewalking)، وهي ممارسة قديمة تعود إلى آلاف السنين، وما تزال تُقام إلى اليوم في الهند، ونيبال، وسريلانكا، واليابان، وبعض مناطق أوروبا وإفريقيا. وغالبًا ما ترتبط بطقوس دينية أو احتفالات جماعية، حيث يسير المشاركون فوق فحم مشتعل تصل حرارته أحيانًا إلى أكثر من 500 درجة مئوية، في مشهد يصعب تصديقه.
للوهلة الأولى، يبدو الأمر خرقًا لقوانين الطبيعة، غير أن العلم تدخّل لفهم الظاهرة بعيدًا عن التفسيرات الغيبية. وقد توصّل الفيزيائيون إلى أن السرّ لا يكمن في «مناعة خارقة»، بل في خصائص النار نفسها. فالفحم المشتعل، رغم حرارته العالية، ضعيف التوصيل للحرارة مقارنة بالمعادن، كما أن مدة التلامس بين القدم والجمر تكون قصيرة جدًا، لا تسمح بانتقال طاقة حرارية كافية لإحداث الحرق.
إضافة إلى ذلك، تكون أقدام المشاركين غالبًا جافة ومغطّاة بطبقة جلد سميكة نسبيًا، ما يقلّل من انتقال الحرارة. ومع انتظام الخطوات وعدم التوقف فوق الجمر، تمرّ التجربة في ثوانٍ حاسمة، تفصل بين السلامة والحرق.
لكن التفسير الفيزيائي وحده لا يشرح كل شيء. فقد لاحظ الباحثون أن العامل النفسي يلعب دورًا بالغ الأهمية. فالمشاركون يدخلون الطقس وهم في حالة تركيز ذهني شديد، مصحوب بالإيمان، أو الاستعداد النفسي، أو ما يشبه الانفصال المؤقّت عن الإحساس بالألم. وقد أظهرت دراسات في علم الأعصاب أن الدماغ، في حالات معيّنة، قادر على تعطيل استجابة الألم لفترة وجيزة.
وقد خضع بعض المشاركين في تجارب علمية للمراقبة الطبية قبل وبعد المشي على الجمر، وأظهرت النتائج أن الغالبية لم تُصب إلا باحمرار طفيف يزول سريعًا، بينما تعرّض آخرون لحروق خفيفة عندما خالفوا الإيقاع أو توقّفوا فوق النار. وهو ما يؤكّد أن الظاهرة ليست سحرًا، بل توازن دقيق بين الفيزياء والنفس البشرية.
ورغم ذلك، ظلّ المشي على الجمر مصدر إلهام وتأويلات روحية عميقة لدى الشعوب التي تمارسه. ففي الثقافة الهندوسية مثلًا، يُنظر إليه كاختبار للإيمان والتطهّر، وفي ثقافات أخرى كرمز لانتصار الإنسان على الخوف، أو عبور من حالة نفسية إلى أخرى.
إن غرابة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في النجاة من النار، بل في الرسالة الكامنة وراءها: أن الإنسان، حين يفهم الخوف ويتحكّم فيه، يستطيع أن يفعل ما يظنه مستحيلًا. فهنا، لا تحترق الأقدام بقدر ما يحترق الوهم، ويسقط الاعتقاد بأن حدود الإنسان ثابتة لا تتغيّر







