ثقافة وفن

بين الإرث العائلي والوظيفة الروحية: هل أصبحت الزوايا تُدبَّر بمنطق الضيعات الفلاحية؟

أثارت التسريبات الصوتية المنسوبة إلى أحد أبناء شيخ أكبر طريقة صوفية بالمغرب (الابن المعروف بلقب “الصيدلي”)، موجة من الجدل داخل أوساط المنتسبين إلى الطريقة، وفتحت الباب واسعًا أمام أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: هل ما تزال الزوايا الصوفية مؤسسات روحية مفتوحة للجميع، أم أنها بدأت تنزاح نحو نمط تدبيري أقرب إلى الملكية العائلية؟
القضية، في ظاهرها، مجرد تسجيلات صوتية متداولة، لكن في عمقها تمسّ بنية التصوف ذاته، وتطرح إشكالًا قديمًا يتجدد مع كل مرحلة: العلاقة بين “الصحبة الروحية” و”الوراثة العائلية”. وهنا يفرض نفسه المعنى المركزي الذي قام عليه الإسلام منذ بداياته: أنه لم يُبنَ على أواصر القرابة الدموية، بل على رابطة الأخوة الإيمانية. ويتجلى ذلك بوضوح في رفع الإسلام لقدْر شخصيات لم يجمعها بالنبي صلى الله عليه وسلم نسب، مثل بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، في مقابل إسقاط الاعتبار عن أبي لهب، رغم كونه عمّ النبي، حتى خُصّ بسورة كاملة تذمّه (سورة المسد). بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب أبعد من ذلك حين قال في حق سلمان: “سلمان منا أهل البيت”، في تأكيد رمزي عميق على أن الانتماء الحقيقي في الإسلام هو انتماء الإيمان والعمل، لا الدم والنسب.
غير أن النقاش لم يعد حبيس التأويلات أو التحليلات النظرية فقط، بل تغذّيه أيضًا وقائع ميدانية متداولة داخل أوساط المريدين، تتحدث عن قيام بعض أبناء الشيخ الراحل بطرد مريدين من زوايا في عدد من المدن المغربية، أثناء اشتغالهم بذكر الله، بدعوى أن تلك الفضاءات “ملك خاص” ورثوه عن والدهم. وهي ممارسات—إن ثبتت—تضعنا أمام تحول لافت في طبيعة النظر إلى الزاوية: من فضاء روحي مفتوح إلى مجال يُتعامل معه بمنطق الحيازة والملكية.
تفرض علينا هذه الوقائع، إلى جانب التسريبات، العودة إلى الأصول المؤسسة للفكر الصوفي، حيث لا يُقاس القرب من الله بالدم ولا بالانتماء العائلي، بل بالصدق في السلوك. يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهو ميزان ينسف كل أشكال التراتب القائم على النسب. ويؤكد الحديث النبوي: “من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه”، في دلالة واضحة على أن التفاضل الروحي لا يُورَّث.
غير أن ما ورد في تلك التسريبات—بحسب ما يتناقله المتابعون في وسائل التواصل الاجتماعي—يوحي بتضييق دائرة القرار داخل الزاوية، وربطه بشكل أو بآخر بالانتماء العائلي. ومع ما يُروى من حالات منع أو طرد، يبرز السؤال الحرج: هل تتحول الزاوية، التي يُفترض أن تكون فضاءً جامعًا للمريدين، إلى مجال خاص تُدار شؤونه بمنطق “أهل الدار” ومن يملكون حق الإذن والمنع؟
هذا الطرح لا يقف عند حدود الجدل النظري، بل يمتد إلى مسألة “الشرعية”. فالزاوية، في تاريخها، لم تُبنَ بجهد فرد أو عائلة فقط، بل تشكلت عبر مساهمات مادية جماعية من مريدين ومحسنين، قدّموا المال والوقت والخدمة في سبيل استمرارها. فكيف يمكن، والحال هذه، تبرير إقصاء بعض هؤلاء من نفس الفضاءات التي ساهموا في بنائها أو إحيائها؟ وهل يمكن اختزالها في إطار عائلي ضيق دون إثارة إشكال أخلاقي عميق حول طبيعة الملكية: هل هي ملك خاص أم إرث روحي مشترك؟
لكن الأخطر من ذلك، هو الأثر الرمزي لمثل هذه الوقائع على صورة التصوف في المجتمع. فحين يُربط المسار الروحي بمنطق الإرث، وحين يُمنع الذاكرون من الذكر داخل الزوايا بدعوى الملكية، يفقد التصوف أحد أهم مرتكزاته: كونه طريقًا متاحًا لكل من صدق في طلب الله، بغض النظر عن أصله أو نسبه.
وبناء على ما سبق، فإن المتتبعين يرون أن هذه القضية لا تقف عند حدود زاوية بعينها، بل تعكس إشكالًا أوسع يهم مستقبل المؤسسات الصوفية في العالم الإسلامي: كيف يمكن التوفيق بين الوفاء للإرث الروحي، والانفتاح على متطلبات الحكامة الرشيدة، دون السقوط في منطق التملك العائلي أو الإقصاء؟
إن الزوايا، تاريخيًا، كانت مدارس لتزكية النفوس قبل أن تكون مؤسسات اجتماعية. وإذا ما فقدت هذا البعد، فإنها تخاطر بأن تتحول من فضاء للسمو الروحي إلى مجال للتدافع الدنيوي. فهل تشكل هذه التسريبات، وما رافقها من وقائع، لحظة مراجعة حقيقية تعيد الأمور إلى نصابها، أم أنها مجرد حلقة عابرة في مسار أعمق من التحولات؟
سؤال مفتوح… وإجابته مرهونة بمدى قدرة الفاعلين على إعادة الاعتبار لجوهر التصوف: الإخلاص، والتجرد، وخدمة الإنسان، بعيدًا عن كل منطق يختزل الطريق إلى الله في حدود النسب أو القرب العائلي.

Ahame Elakhbar | أهم الأخبار

جريدة أهم الأخبار هي جريدة مغربية دولية رائدة، تجمع بين الشمولية والمصداقية، وتلتزم بالعمل وفقًا للقانون المغربي. تنبع رؤيتها من الهوية الوطنية المغربية، مستلهمة قيمها من تاريخ المغرب العريق وحاضره المشرق، وتحمل الراية المغربية رمزًا للفخر والانتماء. تسعى الجريدة إلى تقديم محتوى يواكب تطلعات القارئ محليًا ودوليًا، بروح مغربية أصيلة تجمع بين الحداثة والجذور الثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا