
تمثّل النزعة إلى تصنيف الأفراد وإطلاق الأحكام الجاهزة عليهم إحدى أبرز الإشكالات التي تواجه المجتمعات المسلمة، ولا سيما في البيئات الغربية ذات التعدد الديني والثقافي. فقد تحوّل الحكم على الآخرين لدى بعض الأفراد إلى ممارسة تُقدَّم بوصفها جزءًا من التدين، حتى غدا معيار الانتماء الديني – في نظرهم – مرتبطًا بقدرة المرء على إقصاء المخالف وتجريمه.
هذه الظاهرة لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد سلوك اجتماعي؛ بل هي – في جوهرها – تحوّل في بنية الوعي الديني ذاته. فهي نتاج خلط منهجي بين ما يعدّ من اختصاص الإله، وما يدخل ضمن مسؤوليات الإنسان وحدود صلاحياته. فالمجال الذي استحوذ عليه بعض الأفراد لأنفسهم، والمتمثل في تقييم إيمان الآخرين أو تبديعهم أو الحكم عليهم بالخروج من الملة، هو في حقيقته مجال لاهوتي خالص، لا يملك الإنسان الحق في ولوجه. ويؤكد القرآن الكريم هذا المبدأ بوضوح، إذ يحصر الحكم على المعتقدات ومآلاتها بالله وحده، بما ينفي شرعية أي ادعاء بشري في هذا السياق.
ومع ذلك، تستمر بعض الفئات في ممارسة دور “المقيّم الإيماني”، وكأن مصائر الخلق معلّقة بسلطتهم الروحية. وينشأ عن هذا التوجّه نوع من “الامتلاك الأخلاقي” للآخر، يولّد عقلًا متعالياً يرى الخطأ خارج ذاته، والصواب حكرًا على الجماعة التي ينتمي إليها.
أولًا: تداعيات ثقافة التصنيف
ينتج عن تغوّل روح التصنيف والحكم ثلاث آفات جوهرية تؤثر في الفرد والمجتمع:
1. تعطيل مسار التزكية الذاتية
إذ ينشغل الفرد بمراقبة الآخرين بدل مراقبة ذاته، فيتضاءل جهده في إصلاح نفسه.
2. توليد نزاعات نفسية وروحية
تزداد مشاعر التفوق الأخلاقي، ويتحوّل المخالف إلى “خصم”، مما يرسّخ الكراهية ويضعف الروابط الإنسانية.
3. تفكيك الوحدة الاجتماعية
تتشرذم الجماعات حين تضع كل فئة نفسها معيارًا للحقيقة، وتنظر إلى غيرها من موقع الإدانة.
ثانيًا: النموذج النبوي ومسؤولية البيان
تُظهر النصوص القرآنية أن النبي صلّى الله عليه وسلم – وهو أرحم الخلق – لم يسعَ إلى احتكار الحكم على قلوب الناس أو تقرير مصائرهم. كانت وظيفته بيان الحق، لا الفصل في مصائر الأفراد. فإذا كان الرسول نفسه قد التزم حدود الدور التعليمي والتوجيهي، فمن باب أولى أن يتحرّز الإنسان العادي من ادعاء ما لم يدّعِه النبي.
ثالثًا: التصنيف بوصفه خللًا معرفيًا
يمثّل الإصرار على تصنيف الناس مؤشرًا على هشاشة المعرفة وضعف اليقين، لا على عمق التدين. فالعقل المنغلق هو الذي يحتاج إلى إقصاء الآخرين ليؤكّد صواب موقفه. أمّا المؤمن الواثق بصلته بالله، فلا يجد حاجة إلى إدانة غيره ليبرّر إيمانه أو يسوّغ قناعاته.
رابعًا: العلم كأداة للتحرّر من أحكام القيمة
تؤكد التجربة الدينية والفكرية أن الانشغال بإطلاق الأحكام يحجب عن الإنسان أهم مكتسبات الإيمان: العلم النافع. فالعلم ليس مجرد نصوص تُقرأ أو محفوظات تُستظهر، بل هو قدرة على فهم الواقع وتقدير تعقيداته، والتعامل معه بوصفه بنية متعددة الأبعاد. وقد أشار القرآن إلى قيمة التلقي الواعي والانضباط أمام الحقيقة في قوله تعالى: “سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا”، بما يعكس منهجًا يقوم على الفهم قبل الحكم.
كما أن مسار التحصيل المعرفي يتطلّب وجود “مرشد علمي” يسهم في تهذيب الوعي وتوجيه النظر، تمامًا كما يحتاج الطبيب المبتدئ إلى مُوجِّه يرشده. ولا شيء يضمن سلامة الحكم على الواقع بقدر ما يضمنه نور العلم القائم على الاستبصار، حيث تتبدّى خلف ظواهر الأشياء معانٍ وحكم لا يدركها النظر السطحي.
خلاصة عامة: نحو ثقافة بديلة للحكم والتزكية
إن الاعتراف بأن جزءً معتبرًا من أزمات مجتمعاتنا ناتج عن هيمنة ثقافة التصنيف هو خطوة أولى نحو استعادة التوازن الأخلاقي. والتحوّل من منطق الإدانة إلى منطق التزكية ليس فضيلة فردية فحسب، بل ضرورة اجتماعية لحماية الجماعات من العنف الرمزي والتشظي الفكري.
فالطريق إلى الله لا يُبنى على محاكمة نوايا الآخرين، بل على إصلاح الذات، وتزكية القلب، وتوسيع الفهم، وبناء ثقافة حسن الظن.
لقد كُلِّف الإنسان بأن يكون عبدًا صالحًا، لا قاضيًا على الخلق؛ وباحثًا عن العلم النافع، لا متربصًا بأخطاء الناس. ومن ثم، فإن تجاوز استبداد التصنيف هو شرط لإحياء الوعي الديني، وتحرير العقل المسلم من الأعباء التي لم يُكلّف بها أصلًا.





