
في الوقت الذي تفتح فيه إسبانيا ذراعيها لآلاف المهاجرين في أكبر عملية “تسوية وضعية” قانونية وتاريخية، وفي اللحظة التي ينتظر فيها المهاجر المغربي أن تكون قنصليات بلاده هي السند والدرع في هذا المنعطف المصيري، يصطدم “مغاربة العالم” بواقع إداري مرير. واقع لا يعترف إلا بلغة العرقلة و”المواعيد المستحيلة”، وكأن القنصليات المغربية في إسبانيا قررت أن تكون “العقبة الأخيرة” في طريق أبنائها نحو الاستقرار والكرامة.
لا يمكن الحديث عن مغاربة العالم دون استحضار دورهم البطولي في دعم ركائز الاقتصاد الوطني. ففي الوقت الذي تعاني فيه ميزانيات الدول، يواصل المهاجر المغربي تسجيل أرقام قياسية في التحويلات المالية التي بلغت مستويات غير مسبوقة (تجاوزت 115 مليار درهم). هؤلاء الأبطال الذين يعملون في الحقول الإسبانية تحت حر الشمس، وفي المصانع، وفي المهن الشاقة، هم الذين يضخون “العملة الصعبة” في شرايين البنوك المغربية، وهم الذين يساهمون في استقرار ميزان الأداءات وفي ازدهار العمران والخدمات داخل أرض الوطن.
فهل جزاء هؤلاء الذين يبنون المغرب من الخارج بجهدهم وعرقهم، أن يُنظر إليهم داخل القنصليات كـ “رعاة” أو “عبيد” لا يستحقون حتى حق الدخول إلى بيتهم القنصلي؟ إنها مفارقة يندى لها الجبين؛ أن نعتبر المهاجر “بقرة حلوباً” من الناحية الاقتصادية، و”مواطناً من الدرجة الثانية” من الناحية الإدارية.
الاستثناء الإسباني والخذلان القنصلي :لقد اتخذت الحكومة الإسبانية قراراً إنسانياً وسياسياً شجاعاً لتسوية وضعية المهاجرين، وهي فرصة تاريخية لا تتكرر. وبدلاً من أن تستنفر وزارة الخارجية المغربية أطقمها وقنصلياتها لمواكبة هذا الحدث، آثرت القنصليات الركون إلى فلسفة “الباب الموصد” والشاشة الإلكترونية الجامدة التي لا تنطق إلا بعبارة واحدة: “لا توجد مواعيد متاحة”.
بينما قامت قنصليات دول أخرى (مثل السنغال ودول أمريكا اللاتينية) بإلغاء نظام المواعيد فوراً، وفتحت أبوابها لاستقبال مواطنيها في أيام العطل لتسهيل تسوية وضعيتهم، نجد القنصلية المغربية تكتفي بالتفرج على أبنائها وهم يتوسلون “خوارزمية” تقنية فاشلة للحصول على وثيقة بسيطة كـ “حسن السيرة” أو المصادقة على وكالة تستغرق دقيقتين.
إن ما يحدث اليوم هو ضرب عرض الحائط بكل التوجيهات الملكية السامية. فجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لم يترك مناسبة إلا وأكد فيها أن “مغاربة العالم” هم جزء لا يتجزأ من الهوية والمسار التنموي، داعياً القناصل إلى النزول للميدان وخدمة المواطن.
أين هي هذه التوجيهات من قنصل يجلس في مكتبه المكيف بينما يقف شاب مغربي بالخارج، قطع 500 كيلومتر، ليُطرد من أمام الباب بحجة “غياب الموعد”؟ وكيف يسمح هؤلاء المسؤولون لأنفسهم بترك المهاجر فريسة لسماسرة المواعيد الذين يبيعون “الوهم” بـ 100 يورو للموعد الواحد؟ إن هذا الوضع ليس مجرد خلل إداري، بل هو إهانة صريحة لرعايا جلالة الملك الأوفياء.
رسالة عاجلة لوزارة الخارجية: إننا نوجه هذه الصرخة إلى وزارة الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج: إن مغاربة إسبانيا لا يطلبون “إحساناً”، بل يطالبون بحقهم في المواطنة الكاملة.
الاستنفار القنصلي الشامل: يجب إلغاء نظام المواعيد فوراً وبشكل استثنائي طيلة فترة عملية التسوية في إسبانيا.
محاربة “سوق السماسرة”: إن بقاء نظام المواعيد المعطل هو الذي ينعش السوق السوداء، والحل الوحيد هو فتح الأبواب للجميع.
تغيير العقلية الإدارية: يجب تذكير الموظفين القنصليين أنهم وُجدوا لخدمة المهاجر، لا للتعالي عليه. فالمهاجر “الشريف” الذي يساهم في بناء اقتصاد بلده يستحق أن يُستقبل بالترحاب والتقدير، لا بالصد والجفاء.
إن الفشل في تدبير هذه المرحلة هو “خيانة” للأمانة وللرؤية الملكية التي تضع المواطن فوق كل اعتبار. كرامة المهاجر المغربي ليست للمساومة، وحقه في الاستقرار في بلد الإقامة يجب أن يكون أولوية قصوى للدبلوماسية المغربية. فهل من مجيب؟






