سياسة

بين حصيلة الإنجاز وسؤال الثقة: هل تملك الحكومة المغربية مقوّمات ولاية ثانية؟

يقترب المغرب تدريجيًا من أفق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، في سياق سياسي واجتماعي دقيق، تُطرح فيه بإلحاح أسئلة الأداء، والنجاعة، ومستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة، وعلى رأسها الحكومة والبرلمان. وبين خطاب الإنجازات الذي تتبنّاه الأغلبية، ونبرة النقد التي تطغى على المزاج العام، يتشكّل نقاش عمومي حاد حول ما إذا كانت الحكومة الحالية مؤهّلة سياسيًا وشعبيًا لنيل ولاية ثانية.
من حيث الشكل والمؤسسات، اشتغلت الحكومة ضمن إطار دستوري واضح، وقدّمت حصيلة رقمية في علاقتها بالبرلمان، سواء من حيث مشاريع القوانين أو التفاعل مع الآليات الرقابية، حيث تشير الوثائق الرسمية إلى تفاعل نسبي مع الأسئلة الكتابية والشفوية، وتنزيل عدد من النصوص المرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية. غير أن هذه الحصيلة “الكمّية” سرعان ما تصطدم بتقييم مختلف على مستوى الرأي العام.
فبحسب استطلاعات رأي حديثة، من بينها نتائج متداولة للمركز المغربي للمواطنة، سُجّل تقييم سلبي مرتفع لأداء الحكومة والبرلمان معًا، تجاوز في بعض المؤشرات 80 في المائة، مقابل نسب ضعيفة جدًا للتقييم الإيجابي. كما أظهرت نتائج “أفروباروميتر” الأخيرة أن منسوب الثقة في الحكومة والأحزاب السياسية ظل منخفضًا، مقارنة بمؤسسات أخرى، ما يعكس فجوة متنامية بين الأداء المؤسساتي والإحساس الشعبي بجدواه.
هذه الفجوة لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والاقتصادي. فارتفاع كلفة المعيشة، واستمرار إشكالات الصحة والتعليم، وتنامي الإحساس بالهشاشة لدى فئات واسعة، عوامل تُغذّي شعورًا عامًا بأن وتيرة الإصلاح لا توازي حجم الانتظارات. ورغم الأوراش الكبرى المفتوحة في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والحماية الاجتماعية، فإن المواطن العادي يقيس السياسات العمومية بمدى انعكاسها المباشر على حياته اليومية، لا بحجم الأرقام أو البلاغات.
أما البرلمان، الذي يُفترض أن يكون حلقة الوصل بين المجتمع والحكومة، فقد وجد نفسه في قلب الانتقادات، ليس فقط بسبب محدودية أثر الرقابة، بل أيضًا بسبب ضعف الترافع السياسي، وتراجع صورة العمل الحزبي عمومًا. فالأزمة هنا لا تبدو تقنية بقدر ما هي أزمة ثقة ووساطة، حيث لم تعد فئات واسعة ترى في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة أدوات فعّالة للدفاع عن مصالحها أو التعبير عن تطلعاتها.
وفي ظل هذا المناخ، يبرز سؤال الولاية الثانية كاختبار سياسي حقيقي. فدستوريًا وانتخابيًا، لا شيء يمنع استمرار الأغلبية الحالية إذا ما حازت ثقة الناخبين من جديد، لكن سياسيًا، المؤشرات المتوفرة توحي بأن الطريق نحو ذلك ليس معبّدًا. فالولاية الثانية، إن كانت مطروحة، تقتضي أكثر من الدفاع عن الحصيلة، بل تستلزم تحوّلًا ملموسًا في التعاطي مع الملفات الاجتماعية، وتجديدًا في الخطاب السياسي، وإعادة بناء جسور الثقة مع المواطن.
وتبدو السيناريوهات مفتوحة على أكثر من احتمال: إما أن تنجح الحكومة في ترميم الثقة عبر قرارات اجتماعية جريئة وتواصل سياسي أكثر قربًا ووضوحًا، وإما أن يستمر تآكل الثقة، بما قد يفتح المجال أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية، سواء عبر صعود بدائل جديدة أو تعميق العزوف الانتخابي.
في المحصلة، لا تُقاس أهلية الحكومات لولاية ثانية بعدد القوانين المصادق عليها فقط، بل بقدرتها على تحويل السياسات العمومية إلى إحساس جماعي بالإنصاف والجدوى. فالشرعية الانتخابية، مهما كانت ضرورية، تظل ناقصة من دون شرعية اجتماعية متجددة. وبين هذين البعدين، يتحدّد مستقبل التجربة الحكومية الحالية، كما يتحدّد جزء مهم من ملامح المرحلة السياسية المقبلة في المغرب

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا