عربية وشرق اوسط

تحصينات أعماق الأرض وتكنولوجيا المدن الصاروخية الإيرانية

​تمثل المدن الصاروخية الإيرانية القابعة على عمق يصل إلى خمسمائة متر تحت سلاسل جبال وعرة تحولاً جذرياً في مفاهيم الردع العسكري الحديث حيث انتقلت من مجرد مستودعات تخزين تقليدية إلى منظومات قتالية متكاملة وفائقة التحصين صممت خصيصاً لمواجهة أحدث أجيال القنابل الخارقة للتحصينات والذكاء الاصطناعي العسكري. وتعتمد هذه الحصون في فلسفتها الإنشائية على استغلال الطبقات الجيولوجية الصلبة والجرانيتية التي توفر حماية طبيعية لا تستطيع حتى الصواريخ الموجهة بدقة اختراقها بالكامل مما يمنح القوة الصاروخية قدرة استثنائية على البقاء والاستمرار في العمل حتى في أعنف ظروف الهجوم الجوي الشامل. وتكشف التقارير الفنية المتداولة عبر وكالات الأنباء الدولية والمنصات الدفاعية المتخصصة أن هذه المدن ليست مجرد أنفاق بسيطة بل هي شبكات معقدة من الممرات الطويلة والقاعات الفسيحة التي تضم بداخلها مصانع كاملة لتركيب الصواريخ الباليستية والمجنحة ومنصات إطلاق عمودية وأفقية تسمح بخروج الصواريخ من فتحات مموهة بدقة لا تفتح إلا في لحظة الإطلاق قبل أن تنغلق مجدداً لتختفي تحت تضاريس الأرض. وتتميز هذه القواعد بقدرات لوجستية ذاتية تمكن القوات المتواجدة بداخلها من الصمود لفترات طويلة بعيداً عن الإمدادات الخارجية بفضل أنظمة تدوير الهواء المتقدمة ومحطات توليد الطاقة المستقلة ومخازن الوقود السائل والصلب المؤمنة ضد التسرب والحرائق. ومن الناحية الاستراتيجية فإن توزيع هذه المدن على رقعة جغرافية واسعة تمتد من جبال زاغروس إلى مناطق حدودية مختلفة يشتت قدرات الرصد بالأقمار الصناعية ويجعل من المستحيل على أجهزة المخابرات الدولية تحديد مواقع كافة المنصات بدقة تامة مما يخلق حالة من “الغموض الدفاعي” تعزز من وزن إيران الإقليمي. كما تشير التحليلات العسكرية إلى أن دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة هذه المدن سمح بالتحكم الآلي في عمليات التذخير والإطلاق السريع لتقليل التدخل البشري وضمان دقة إصابة الأهداف البعيدة بمرونة عالية. إن هذا الاستثمار الضخم في هندسة الأعماق يعكس رؤية عسكرية تهدف إلى تحييد التفوق الجوي الخصم من خلال نقل المعركة إلى باطن الأرض حيث تصبح القوة التدميرية للصواريخ محمية بغلاف صخري هائل يجعل من أي محاولة لاختراقها مهمة عسكرية ولوجستية باهظة التكاليف وغير مضمونة النتائج في ظل تطور أنظمة الدفاع الجوي المحيطة بمداخل هذه الحصون المنيعة. وبذلك تظل هذه المدن الركيزة الأساسية في استراتيجية الدفاع الإيرانية التي تعتمد على “الضربة الثانية” والقدرة على الرد الصاروخي المكثف والمنظم حتى تحت أقسى ظروف الضغط العسكري والسياسي الدولي.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا