قضايا ومحاكم

تحولات الصلح القضائي بالمغرب سنة 2025

شهدت المنظومة القضائية المغربية خلال سنة 2025 تحولاً نوعياً يعكس عمق الإصلاحات الهيكلية التي باشرتها المملكة لتحديث قطاع العدل، حيث كشفت البيانات الإحصائية الأخيرة عن ارتفاع لافت في عدد المستفيدين من مسطرة الصلح ليصل إلى نحو 22 ألف شخص، وهو رقم يترجم التوجه الاستراتيجي نحو تكريس العدالة التصالحية كبديل فعال للمنازعات القضائية التقليدية. إن هذا المنحى التصاعدي ليس مجرد طفرة رقمية، بل هو ثمرة مسار تشريعي وإجرائي متكامل استهدف تعزيز الوسائل البديلة لحل النزاعات، وفي هذا الإطار، لعبت الدورية التوجيهية الصادرة عن رئاسة النيابة العامة والموجهة إلى الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك لدى مختلف محاكم المملكة دوراً محورياً وحاسماً؛ إذ حثت مقتضياتها بصرامة على تفعيل بدائل الدعوى العمومية، ووجهت قضاة النيابة العامة إلى إعطاء الأولوية لمسطرة الصلح في القضايا التي يسمح فيها القانون بذلك، مع تذليل العقبات الإجرائية التي كانت تحول دون توسيع نطاق الاستفادة منها، مما جعل من مؤسسة النيابة العامة رافعة أساسية لتحقيق النجاعة القضائية وتقليص تدفق القضايا البسيطة نحو جلسات الحكم، وهو ما أسهم بشكل مباشر في تخفيف العبء الثقيل عن كاهل المحاكم وتقليص آجال البت في القضايا، مع الحفاظ على السلم الاجتماعي وضمان استمرارية الروابط الإنسانية والمهنية التي قد تعصف بها الأحكام القضائية الزجرية. وتتجلى أهمية هذا التطور في كونه يعكس نضجاً ملموساً في الوعي القانوني لدى المواطنين والمتقاضين الذين أضحوا يميلون إلى الحلول الودية التي تضمن السرعة والسرية والمرونة، كما يبرز نجاعة المبادرات التي أطلقتها وزارة العدل بالتعاون مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية لتفعيل دور المساعدين الاجتماعيين والوسطاء والقضاة المكلفين بالصلح، خاصة في قضايا الأسرة والمنازعات المدنية والتجارية البسيطة. ومن منظور حقوقي وتنموي، فإن استيعاب 22 ألف مستفيد ضمن هذه المسطرة يكرس مفهوم “العدالة القريبة من المواطن” ويقلل من الكلفة المادية والزمنية للتقاضي، مما يعزز من جاذبية مناخ الأعمال ويوفر بيئة قانونية آمنة ومستقرة. إن نجاح تجربة الصلح في المغرب سنة 2025 يضع حجر الأساس لمرحلة جديدة تتجاوز فيها العدالة مفهوم “النطق بالحكم” إلى مفهوم “إيجاد الحل”، وهو ما يتماشى مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تخليق المرفق القضائي وربطه بالفعالية والنجاعة، لتظل مسطرة الصلح صمام أمان يوفق بين صرامة القانون ومرونة التوافق، ويرسخ دعائم دولة الحق والقانون في أبعادها الإنسانية والاجتماعية الشاملة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا