سياحة

تطوان… الحمامة البيضاء التي حلّقت بين الذاكرة والجمال

لتطوان اسمٌ لا يُنطق عبثًا، ورمزٌ لا يُختزل في صورة، ولقبٌ التصق بها حتى صار جزءًا من هويتها؛ فهي «الحمامة البيضاء»، لا لأن جدرانها بيضاء فحسب، بل لأن روحها كذلك، ولأنها ظلّت، عبر التاريخ، مدينة سلام وهدوء وجمال متّزن. قيل عنها إنها «ابنة غرناطة التي رفضت أن تموت»، ولم يكن ذلك وصفًا شاعريًا فقط، بل حقيقة مدينة حملت الروح الأندلسية في معمارها، وسلوكها، وإيقاع حياتها، فأعادت غرسها في شمال المغرب، بين البحر والجبل.
تطوان، أو الحمامة البيضاء، ليست مدينة تُزار على عجل، بل مدينة تُعاش على مهل، لأن الجمال فيها لا يُستعجل، ولأن التاريخ فيها لا يُعرض، بل يُعاش. منذ اللحظة الأولى، يلفت الزائر ذلك البياض الذي يكسو المدينة، بياض لا يدل على الفراغ، بل على الصفاء، حتى قيل: «تطوان مدينة بيضاء، لا لأن جدرانها بيضاء فقط، بل لأن روحها كذلك». تتوسّط المدينة موقعًا فريدًا بين زرقة المتوسّط ووقار الجبال، فتبدو كجسرٍ هادئ بين الطبيعة والتاريخ، وبين الأندلس والمغرب.
المدينة العتيقة هي قلب الحمامة البيضاء النابض، حيث لا تزور التاريخ بل تمشي داخله. أزقّتها الضيّقة، وبيوتها المتلاصقة، وأبوابها الخشبية المزخرفة، كلها تشهد على ذاكرة أندلسية صمدت في وجه الزمن. هنا، أعاد المهاجرون الأندلسيون بناء مدينة بروح مدنهم المفقودة، فكانت تطوان المدينة المغربية الأكثر حفاظًا على الطابع الأندلسي، وهو ما أهلها لتكون ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. ولهذا قيل: «من أراد أن يرى الأندلس في المغرب، فليدخل تطوان».
وفي قلب هذه الأزقّة، ما تزال الحِرف التقليدية حيّة، لا كديكور سياحي، بل كأسلوب عيش. النحاس يُطرَق بإيقاع قديم، والجلد يُصقل بصبر، والنسيج يُنسج بعناية، في مشهدٍ يجعل الزائر يشعر أن الحمامة البيضاء لم تفقد علاقتها بالصنعة ولا بالإتقان.
وعلى مرتفعٍ يطلّ على المدينة، تقف القصبة كعينٍ ساهرة، تحرس تطوان وتمنح الزائر إطلالة بانورامية تُبرز انسجامها العمراني، بينما يضفي القصر الملكي القريب بساحته الواسعة هيبةً هادئة، توازن بين السلطة والتاريخ دون أن تطغى على بساطة المدينة. وكما وصفها أحد الرحّالة: مدينة أندلسية بلباس مغربي، تجمع بين الصمت الأنيق والذاكرة العميقة.
ولا تنفصل الحمامة البيضاء عن محيطها الطبيعي، فالبحر قريب بما يكفي ليكون امتدادًا لها، حيث تُشكّل مرتيل متنفسًا هادئًا، فيما تحتضن الجبال المحيطة مسالك خضراء وغابات تمنح الزائر فرصة الهروب من صخب المدن الكبرى. ولهذا يُقال: «في تطوان تمشي ببطء، لأن المكان يعلّمك الإصغاء».
وتتجلّى خصوصية تطوان كذلك في بعدها الثقافي والفني، فهي مدينة أنجبت فنانين ومبدعين، واحتضنت المدارس الفنية والموسيقى الأندلسية، وجعلت من الثقافة أسلوب حياة لا مناسبة عابرة. متاحفها تحفظ الذاكرة البصرية للمدينة، وتمنح الزائر مفاتيح فهم عمقها دون افتعال. وكما قيل فيها: «تطوان لا تُبهر من النظرة الأولى، لكنها تُقيم في القلب طويلًا».
أما المطبخ التطواني، فيحمل بدوره بصمة المكان، حيث تمتزج النكهة المغربية بالأثر الأندلسي في أطباق تُقدَّم ببساطة البيت ودفئه، فيشعر الزائر أنه ضيف على الحمامة البيضاء، لا مجرد عابر سبيل.
تطوان، باسمها ورمزها ولقبها، مدينة سلامٍ وجمال، تُروى ولا تُختصر، وتُزار ولا تُستهلك، وتبقى في الذاكرة لأن بعض المدن، مثل الحمامة البيضاء، لا تُغادر القلب حتى بعد مغادرتها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا