منوعات

جزيرة الدمى: حين يتحوّل الخوف إلى أثرٍ إنساني واقعي

في أقصى قنوات «سوتشيميلكو» جنوب مكسيكو سيتي، تقوم جزيرة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضع مئات من الأمتار، لكنها تحوّلت إلى واحدة من أكثر الأماكن غرابة وإثارة للدهشة في العالم. ليست أسطورة، ولا مشهدًا من فيلم رعب، بل موقع حقيقي يُعرف باسم «جزيرة الدمى»، حيث تتدلّى مئات الدمى الممزقة من الأشجار، بأعين زجاجية فارغة وملامح متآكلة بفعل الزمن.
تعود قصة الجزيرة إلى منتصف القرن العشرين، حين عاش فيها رجل يُدعى دون جوليان سانتانا، منعزلًا عن الناس. ووفق روايات متطابقة، عثر الرجل على جثة طفلة غرقت في القناة القريبة، ولم يتمكن من إنقاذها. بعد فترة قصيرة، وجد دمية طافية في الماء، فعلقها على شجرة قرب مكان الغرق، معتقدًا أنها ستُرضي روح الطفلة وتحميه من غضبها.
لكن الأمر لم يتوقف عند دمية واحدة. على مدى سنوات طويلة، بدأ دون جوليان يجمع الدمى القديمة والمكسورة من القنوات والقمامة، ويعلّقها في أرجاء الجزيرة، مدفوعًا بقناعة راسخة بأن الأرواح تحيط بالمكان، وأن الدمى وسيلة لدرء الشر. شيئًا فشيئًا، تحوّلت الجزيرة إلى مشهد صادم: رؤوس بلا أجساد، أطراف مبتورة، دمى بلا عيون، تتأرجح مع الريح في صمت ثقيل.
المفارقة الغريبة أن الرجل نفسه لقي حتفه بالطريقة ذاتها التي ماتت بها الطفلة، إذ عُثر عليه غريقًا في القناة نفسها سنة 2001، وهو ما زاد من غموض القصة، ومنحها بعدًا أسطوريًا، رغم أن وقائعها مثبتة وموثّقة.
اليوم، صارت جزيرة الدمى مقصدًا سياحيًا، لكنها ليست سياحة للمتعة بقدر ما هي مواجهة مباشرة مع خوف بدائي يسكن الإنسان. فالدمى، التي صُنعت أصلًا للبراءة واللعب، تحوّلت هنا إلى رموز للقلق، وكأن المكان يعكس قدرة الإنسان على تحويل الصدمة إلى طقس، والخوف إلى أثر مادي ملموس.
تطرح هذه الغريبة الواقعية سؤالًا ثقافيًا عميقًا: هل كان دون جوليان ضحية وهم، أم كان يمارس شكلًا بدائيًا من المصالحة مع الفقد؟ فالثقافات البشرية، منذ أقدم العصور، لجأت إلى الرموز لحماية نفسها من المجهول. والجزيرة، في جوهرها، ليست سوى تعبير متطرف عن هذا السلوك الإنساني.
ليست جزيرة الدمى لغزًا خارقًا للطبيعة، لكنها شاهد حيّ على أن الواقع، حين يمتزج بالخوف والعزلة، قد يصبح أكثر غرابة من الخيال. إنها غريبة واقعية، تذكّرنا بأن أغرب ما في هذا العالم ليس الأشباح، بل الإنسان نفسه حين يحاول فهم ما لا يُفهم.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا