
في الوقت الذي تستعد فيه الأسر لاستقبال عيد الفطر بفرح وترقب، تعيش محلات الخياطة حالة استنفار غير مسبوقة. أصوات آلات الخياطة لا تهدأ، وأضواء المحلات تبقى مشتعلة حتى ساعات الفجر، في مشهد يكشف حجم الضغط الذي يرافق نهاية شهر رمضان. هنا، لا مجال للتأجيل ولا وقت للراحة… فكل دقيقة تعني زبونة تنتظر جلبابها لتكتمل فرحتها بالعيد.
تتكدس الأقمشة على الطاولات، وتتسارع الأيادي في قصّها وخياطتها، بينما يقف الخياطون على حافة الإرهاق. موسم جلابيب العيد بالنسبة لهم ليس مجرد فترة عمل عادية، بل معركة حقيقية مع الزمن. فالتأخير قد يكلّفهم ثقة الزبونات، وقد يحرم عائلات بأكملها من دخل موسمي يعتمدون عليه طوال العام.
النساء بدورهن يقتحمن المحلات في سباق محموم لحجز مواعيد الخياطة أو تعديل القطع الجاهزة. بعضهن يصرّ على تصاميم معقدة وتطريزات دقيقة رغم ضيق الوقت، لأن الجلباب في العيد ليس مجرد لباس، بل صورة اجتماعية تعبّر عن الذوق والمكانة والاحتفاء بالتقاليد. وفي زحمة الطلب، ترتفع الأسعار أحياناً، فتتحول فرحة التحضير إلى عبء إضافي على ميزانيات الأسر.
ومع ذلك، يبقى الإقبال متواصلاً، وكأن المجتمع بأكمله يرفض أن يمر العيد دون هذا الطقس الرمزي. فداخل كل جلباب قصة سهر وتعب، وداخل كل غرزة حلم بفرحة صباح العيد. الخياطون يواصلون العمل بصمت، والأمهات يراقبن عقارب الساعة بقلق، والأطفال ينتظرون لحظة ارتداء الملابس الجديدة التي تعلن انتهاء شهر الصيام وبداية أيام الفرح.
في النهاية، تكشف الأيام الأخيرة من رمضان عن وجه آخر للحياة اليومية؛ وجه مليء بالتحدي والإصرار والرغبة في الحفاظ على تقاليد متجذرة في المجتمع. وبين ضجيج المقصات وهمسات الإبر، تُكتب حكاية العيد كل عام من جديد… حكاية تعب يتحول إلى أناقة، وانتظار ينتهي بابتسامة صباحية لا تُنسى .




