اسلاميات

جمر الزرادشتية.. شواهد التوحيد قبل بزوغ الإسلام

تنبثق الديانة الزرادشتية من أعماق التاريخ الإنساني كواحدة من أقدم العقائد التي صاغت مفهوم التوحيد الأخلاقي في بلاد فارس القديمة، حيث بزغ فجرها على يد النبي زرادشت الذي قدم رؤية فلسفية وروحية متكاملة تقوم على الثنائية الكونية بين الحق والباطل، وتبدأ تفاصيل هذه الديانة من الإيمان المطلق بالإله “أهورا مزدا” وهو رب الحكمة والخير المحض الذي خلق الكون بنظام واتساق، وفي المقابل يقف “أهريمان” كقوة مدمرة تمثل الظلام والزيف، لتبدأ من هنا معركة أبدية لا تتوقف إلا بانتصار النور في نهاية الزمان، وإن الجوهر الحقيقي للزرادشتية لا يكمن في طقوس جامدة، بل في ثلاثية أخلاقية مقدسة تحكم سلوك المؤمن وهي الفكر الطيب والقول الطيب والعمل الطيب، إذ يُنظر إلى الإنسان كشريك فعال في صيانة الكون وتطهيره من دنس الشر عبر اختياراته اليومية الواعية، ويتجلى هذا التقديس للنقاء في تعاملهم مع عناصر الطبيعة، فالنار عندهم ليست معبوداً كما يظن البعض بل هي القبلة الروحية ورمز الطهارة والطاقة الإلهية التي لا تنطفئ، ولذلك تجد شعائرهم تمجد الشمس والماء والتربة باعتبارها هبات مقدسة يجب صونها من التلوث، أما دستورهم الروحي فهو كتاب “الأفيستا” الذي يضم في طياته “الجثات” وهي التراتيل المنظومة التي تعكس حوارات زرادشت مع الخالق وتفصل شرائع العدل والحقيقة، وتتوسع الديانة في شرح مصير النفس البشرية بعد المفارقة، حيث تؤمن بخلود الروح ومرورها فوق جسر “تشينفات” الذي يتسع للمؤمن الصالح ليقوده إلى ديار النور والبهجة، بينما يضيق على من انغمس في الظلم ليسقط في هاوية الشقاء، في انتظار يوم القيامة الكبير “فرشوكيرتي” حين يتطهر العالم تماماً من كل أثر للشر، وتعد الجنائز في هذه العقيدة من أكثر التفاصيل تميزاً، إذ كانوا قديماً يرفضون دفن الموتى أو حرقهم تنزيهاً للتراب والنار عن التلوث بجسد فارقته الحياة، فكانوا يضعون الجثامين في “أبراج الصمت” لتأكلها الجوارح في دورة طبيعية تعيد العناصر لجوهرها، ورغم انحسار عدد أتباعها في العصر الحديث وتركزهم في الهند وإيران، إلا أن أصداء الفلسفة الزرادشتية لا تزال حية في الفكر الإنساني، فقد أثرت بعمق في التصورات اللاحقة عن الملائكة والشياطين والحساب الختامي، وظلت تمثل نموذجاً فريداً للديانة التي تجعل من العقل والضمير الفردي ميزاناً للنجاة ومحركاً للتطور الروحي للبشرية جمعاء، وتتجلى في ثنايا التاريخ الإنساني آثار غائرة لهذه الديانة وغيرها، والتي يرى المتأمل في تفاصيلها بقايا من نور النبوة الذي خفت بمرور الزمن وتراكم التحريفات البشرية، فمنذ أن بزغ فجر هذه العقيدة وهي تحمل في طياتها ملامح توحيدية تدعو للإيمان بـ “أهورا مزدا” كإله واحد خالق للخير والنور، وهي إشارات قوية على أن أصلاً سماوياً قد وُجد يوماً في تلك البقاع قبل أن تشوبه الفلسفات الثنائية التي جعلت للشر خالقاً موازياً وللنار قداسة رمزية أخرجتها عن سياق العبودية الخالصة لله وحده، إن القارئ في “الأفيستا” وفي سير هذه الديانة يجد نصوصاً مدهشة تتحدث عن مجيء “سوشيانت” أو المخلص الذي سيملأ الأرض عدلاً، وهي نبوءات بشرت بها الأمم قديماً تمهيداً لظهور النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جاء ليصحح الانحرافات التي طرأت على الفطرة وليعيد البشرية إلى عبادة رب العباد وترك عبادة العباد أو النار أو العناصر الطبيعية، وتبرز عظمة الإسلام حين نقارن بين تشريعاته الربانية المحكمة وبين ما آلت إليه الزرادشتية من طقوس شاقة ومنطق ثنائي يجزئ الألوهية بين قوى الخير والشر، فالإسلام جاء بالتوحيد الخالص الذي يجعل الخير والشر والضر والنفع بيد الله وحده، وهو الدين الذي حفظ الطبيعة ولم يقدسها، وكرّم الإنسان ولم يتركه للضياع الروحي، فكان الإسلام هو “الدين الحق” المهيمن على ما قبله، والمتمم لمكارم الأخلاق التي نادت بها الرسالات السابقة قبل أن تعبث بها أيدي البشر، إن بقاء بعض الحقائق في هذه الديانات القديمة لا يعدو كونه حجة عليها وشاهداً على صدق الرسالة المحمدية التي جاءت لتجلي الغبش عن العيون، وتثبت أن دين الله واحد منذ آدم عليه السلام، وأن الإسلام هو الصورة الأتم والأكمل والوحيدة المحفوظة من التحريف، ليكون الملاذ الأخير للبشرية الباحثة عن الطهارة الروحية والاستقامة الأخلاقية بعيداً عن غلو الوثنية أو ضلال الثنائية، محققاً بذلك وعد الله بإظهار دينه على الدين كله ولو كره الكافرون.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا