
ليست فكرة الربط بين الحروب الكبرى والطاقة وليدة اللحظة، ولا هي نتاج خيال سياسي معاصر، بل هي امتداد لمنطق تاريخي حكم النظام الدولي منذ اكتشاف النفط وتحوله إلى عصب الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق، تبرز النظرية القائلة إن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط لن تكون معزولة عن إعادة توزيع النفوذ الطاقي، وقد تفتح الباب أمام انتقال مركز الثقل – ولو جزئياً – نحو مناطق بديلة، في مقدمتها فنزويلا.
أنصار هذه القراءة ينطلقون من مسلمة أساسية مفادها أن الحروب لا تُخاض فقط من أجل الأرض أو العقيدة أو الأمن، بل من أجل الموارد، والموارد في العصر الحديث تعني الطاقة أولاً. فالشرق الأوسط، رغم كل محاولات التنويع، ما يزال الخزان الحيوي الأكبر للنفط والغاز، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يُربك الأسواق العالمية ويضع القوى الكبرى أمام معادلة أمن قومي حقيقية.
عند العودة إلى التاريخ الحديث، تتضح العلاقة الوثيقة بين الصراعات والنفط بشكل يصعب إنكاره. خلال الحرب العالمية الثانية، اندفعت ألمانيا النازية شرقاً في جزء كبير من استراتيجيتها بحثاً عن نفط القوقاز، وكان فشلها في الوصول إليه أحد العوامل الحاسمة التي عجّلت بانهيارها العسكري. في المقابل، أدرك الحلفاء مبكراً أن السيطرة على مصادر الطاقة وخطوط الإمداد لا تقل أهمية عن كسب المعارك العسكرية نفسها.
وفي أزمة السويس سنة 1956، لم يكن الصراع حول القناة مجرد نزاع سيادي، بل معركة حول شريان طاقة وتجاري حيوي يربط نفط الشرق الأوسط بأوروبا. فشل العدوان الثلاثي آنذاك لم يلغِ حقيقة أن القناة كانت وما تزال ورقة استراتيجية كبرى في معادلات الطاقة العالمية.
أما في الذاكرة المعاصرة، فتُعد حروب الخليج المثال الأكثر وضوحاً. غزو العراق للكويت سنة 1990 شكّل تهديداً مباشراً لتوازن سوق النفط العالمي، فجاء التدخل الدولي تحت عنوان “تحرير الكويت”، لكنه في العمق كان دفاعاً عن استقرار إمدادات الطاقة. ثم جاءت حرب 2003، حيث رُفعت شعارات الديمقراطية وأسلحة الدمار الشامل، غير أن النتيجة العملية كانت وضع واحد من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم تحت نفوذ مباشر أو غير مباشر للشركات الغربية.
حتى التدخل في ليبيا سنة 2011 يصعب فصله عن النفط، إذ تحولت البلاد بعد إسقاط القذافي إلى ساحة صراع مفتوح حول الحقول والموانئ، ما أكد مرة أخرى أن إسقاط الأنظمة في الدول الغنية بالطاقة لا ينفصل عن الحسابات الاقتصادية، مهما اختلفت الشعارات المعلنة.
في السياق الراهن، يشهد الشرق الأوسط حالة توتر متراكمة على أكثر من جبهة: فلسطين، لبنان، البحر الأحمر، إيران، وسوريا. ووفق منطق هذه النظرية، فإن اتساع رقعة الحرب، خاصة إذا انخرطت فيها أطراف عربية وإقليمية كبرى، سيُدخل سوق الطاقة في حالة عدم يقين طويلة الأمد، لا يمكن للولايات المتحدة ولا لحلفائها تحمّلها دون تحضير بدائل استراتيجية خارج المنطقة.
هنا يبرز البعد غير المعلن في التحليل: التحضير المسبق لمرحلة ما بعد الانفجار. فالسياسة الأمريكية، تاريخياً، لا تنتظر وقوع الأزمات لتفكر في الحلول، بل تبني خيارات احتياطية، حتى وإن بدت بعيدة جغرافياً أو مؤجلة سياسياً. ضمن هذا الإطار، تعود فنزويلا إلى الواجهة بوصفها “الاحتياطي المنسي” الذي لا يمكن تجاهله.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، لكنها بقيت لسنوات خارج السوق الغربية الكاملة بفعل العقوبات والصراع السياسي مع واشنطن. ومع كل أزمة طاقة عالمية، يعود اسم فنزويلا إلى الطاولة، لا كدولة هامشية، بل كورقة استراتيجية مؤجلة يمكن تفعيلها عند الضرورة. ويرى أنصار هذه النظرية أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى غزو عسكري مباشر على طريقة العراق، لأن أدوات السيطرة في القرن الحادي والعشرين تغيّرت، وأصبحت أكثر نعومة وتعقيداً، من رفع جزئي للعقوبات، إلى الضغط السياسي، وإعادة هندسة النخب، أو فرض تسويات تفتح أبواب النفط بشروط جديدة.
في هذا السياق، تُقدَّم إسرائيل في التحليل بوصفها مستفيداً غير مباشر، لا لأنها تسعى إلى نفط فنزويلا، بل لأن انشغال محيطها الإقليمي بحرب طويلة يخفف الضغط الاستراتيجي عنها، ويمنح حليفها الأمريكي هامشاً أوسع لإعادة ترتيب ملفات عالمية أخرى، وفي مقدمتها ملف الطاقة.
بين التأكيد والنفي، تبقى هذه النظرية تعبيراً عن قلق عميق من عالم يتجه نحو مزيد من الصدام ومزيد من البراغماتية القاسية في إدارة المصالح. فهي لا تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنها تستند إلى منطق تاريخي متكرر، مفاده أن النفط كان دائماً في قلب القرار العسكري والسياسي، حتى عندما يُخفى خلف شعارات كبرى. وبين الشرق الأوسط وفنزويلا، قد لا يكون الرابط مباشراً أو معلناً، لكنه في ميزان المصالح الكبرى أبعد ما يكون عن الصدفة.







