
أعاد الإعلان عن إطلاق البحث الوطني الثالث حول الإعاقة بالمغرب فتح نقاش قديم-جديد حول كيفية قياس الإعاقة، وحدود المقاربات الإحصائية المعتمدة، ومدى قدرتها على عكس الواقع الحقيقي للأشخاص في وضعية إعاقة. نقاش لا يبدو تقنياً فحسب، بل يحمل أبعاداً اجتماعية وحقوقية وسياسية عميقة.
أولى الإشكالات التي أثارت انتقادات المجتمع المدني تتعلق بالتوقيت. فالتأخر في إنجاز البحث منذ سنة 2024، تزامناً مع الإحصاء العام للسكان، يطرح تساؤلات حول جدوى نتائجه المنتظرة سنة 2026، وهي سنة تقييم الحصيلة الحكومية. فالمعطيات الإحصائية، حين تفقد راهنيتها، تفقد بالضرورة قدرتها على توجيه السياسات العمومية بفعالية.
الإشكال الثاني، وهو الأعمق، يرتبط بالمنهجية. فقد كشفت نتائج الإحصاء العام للسكان لسنة 2024 عن نسبة إعاقة لا تتجاوز 4.8 في المائة، وهو رقم اعتبره العديد من الفاعلين غير منسجم مع الواقع ولا مع التوجهات العالمية. غير أن هذا “الانخفاض” لا يعكس بالضرورة تحسناً في وضعية الإعاقة، بل يعكس بالأساس اختلاف أدوات القياس.
فالاعتماد على الصيغة المختصرة لأسئلة “مجموعة واشنطن” يحدّ من القدرة على رصد الإعاقات غير المرئية، مثل الإعاقات النفسية أو الذهنية، كما لا يراعي خصوصية إعاقة الطفولة أو الإعاقات المؤقتة. وهو ما يجعل الأرقام الناتجة أقرب إلى صورة جزئية، بدل أن تكون تشخيصاً شاملاً.
وتكمن الخطورة هنا في القراءة السياسية للأرقام. فالأرقام المنخفضة قد تُستعمل، عن قصد أو غير قصد، لتقليص حجم الإشكال، أو لتبرير محدودية السياسات العمومية الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة. في حين أن التجارب الدولية تُظهر أن ارتفاع نسب الإعاقة مؤشر على تطور أدوات الرصد، لا على تدهور الأوضاع.
من جهة أخرى، يبرز مطلب إشراك المجتمع المدني كضرورة لا غنى عنها. فالجمعيات والفاعلون الميدانيون راكموا معرفة دقيقة بتعقيدات الإعاقة، ويملكون القدرة على كشف ما لا تلتقطه الاستمارات الإحصائية. كما أن إشراك المندوبية السامية للتخطيط يظل ضمانة أساسية لموثوقية المعطيات واستقلاليتها.
في المحصلة، لا يكمن الرهان الحقيقي في الإعلان عن بحث جديد، بل في كيف يُنجز هذا البحث، وبأي أدوات، ولأي غاية. فالإعاقة ليست رقماً يُتداول في التقارير، بل واقع إنساني معقد، يتطلب مقاربة علمية دقيقة، وزمناً كافياً، وإرادة سياسية حقيقية لجعل المعطيات أساساً لسياسات دامجة، لا مجرد أرقام ظرفية للاستهلاك الإعلامي.







