منوعات

حين تمطر السماء أسماكًا: لغز «مطر السمك» الذي حيَّر العلم

في أقصى شمال هندوراس، وتحديدًا في مدينة صغيرة تُدعى يورو، تشهد السماء ظاهرة واقعية مذهلة تتكرّر منذ قرون، حتى باتت جزءًا من هوية المكان وذاكرته الجماعية. فهناك، لا تمطر السماء ماءً فقط، بل تمطر أسماكًا حيّة، في مشهد يختلط فيه الذهول بالخوف، والعلم بالأسطورة.
تُعرف هذه الظاهرة باسم «Lluvia de Peces» أي «مطر السمك»، وتحدث عادةً مرة أو مرتين في السنة، غالبًا بين شهري مايو ويوليو. تبدأ بعاصفة رعدية عنيفة مصحوبة برياح قوية وأمطار غزيرة، يعقبها مشهد غير مألوف: شوارع مغطاة بأسماك صغيرة حيّة تتخبّط على الأرض، فيلتقطها السكان بأيديهم وكأنها رزق نزل من السماء.
اللافت في هذه الظاهرة أن الأسماك التي تسقط لا تعيش في المياه المالحة، بل هي أسماك مياه عذبة، وغالبًا ما تكون عمياء أو ضعيفة البصر، وهو ما زاد من غموضها ودفع العلماء إلى البحث عن تفسير علمي مقنع.
قدّمت الدراسات الحديثة عدة فرضيات، أبرزها أن الأعاصير المائية أو الزوابع القوية قد تمتصّ الأسماك من أنهار أو مجاري مائية جوفية قريبة، ثم تحملها لمسافات طويلة قبل أن تُسقطها مع الأمطار. غير أن هذه الفرضية واجهت اعتراضات، إذ لم تُرصد أنهار سطحية قريبة تكفي لتفسير الكميات المتكرّرة من الأسماك، كما أن العواصف لا تترك آثار تدمير واسعة كما هو متوقّع في مثل هذه الحالات.
فرضية أخرى ترجّح أن الأسماك تعيش أصلًا في شبكات مياه جوفية تحت الأرض، وأن الأمطار الغزيرة تؤدي إلى فيضانها واندفاع الأسماك إلى السطح فجأة، وهو تفسير لا يزال محلّ نقاش علمي، لكنه الأقرب حتى اليوم.
أما سكان يورو، فلهم روايتهم الخاصة. فهم يرون في الظاهرة حدثًا مباركًا، ويربطونها بقصة تعود إلى القرن التاسع عشر، حين دعا قسّ إسباني الله أن يرزق الفقراء طعامًا، فاستُجيب الدعاء على نحو لم يكن في الحسبان. ومنذ ذلك الحين، تحوّل «مطر السمك» إلى عيد محلي تُقام فيه الاحتفالات، وتُطهى الأسماك، وتُروى الحكايات جيلاً بعد جيل.
ما يجعل هذه الظاهرة أكثر إدهاشًا أنها موثّقة علميًا وإعلاميًا، وشهدها باحثون وصحافيون من مختلف أنحاء العالم، ولم تُسجّل في يورو وحدها، بل ظهرت حالات مشابهة نادرة في دول أخرى، وإن لم تبلغ درجة الانتظام التي تتميّز بها هذه المدينة.
إن «مطر السمك» يذكّر الإنسان بحقيقة لا مفرّ منها: أن الطبيعة ما تزال قادرة على كسر منطقنا اليومي، وأن الواقع، في بعض زواياه، أغرب من كل ما يمكن للعقل أن يتخيّله. فهي ظاهرة لا تنتمي إلى الأساطير، ولا إلى الخيال، بل إلى عالمنا الحقيقي، حيث لا تزال السماء تخبئ مفاجآت لا تفسير نهائيًا لها

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا