
لم تكن المباراة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره السنغالي في كأس الأمم الإفريقية حدثًا رياضيًا عابرًا، بقدر ما تحولت إلى لحظة كاشفة عن إشكال أعمق يطال بنية المنافسة الرياضية في القارة الإفريقية. فالجدل الذي أعقب اللقاء لم ينشأ بسبب النتيجة وحدها، بل بسبب السياق الذي أُنتجت فيه، والآليات التي جرى من خلالها التعامل مع لحظة حاسمة كان يفترض أن يُحسم فيها الأمر بالقانون وحده.
منذ انطلاق البطولة، سادت في الفضاء الإعلامي الإفريقي رواية تتحدث عن تحيز تحكيمي مفترض لصالح البلد المنظم، وعن نفوذ سياسي ورياضي داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. هذه الرواية لم تكن وليدة خطأ تحكيمي بعينه، بل جرى بناؤها تدريجيًا، حتى أصبحت إطارًا جاهزًا لتفسير أي قرار لا يخدم طرفًا معينًا، وأداة ضغط نفسي تُستحضر قبل المباريات الحاسمة.
في هذا السياق، جاءت تصريحات مدرب المنتخب السنغالي قبيل المباراة لتغذي هذا المناخ المشحون. فقد تجاوز الخطاب حدود التحليل الرياضي إلى التشكيك في التنظيم والظروف المحيطة بالمنافسة، في خروج عن الأعراف التي تفرض الفصل بين التحضير الفني وإدارة الصراع الإعلامي. لم تكن هذه التصريحات تفصيلًا هامشيًا، بل ساهمت في تهيئة الرأي العام لاحتمال الطعن في أي نتيجة غير مواتية.
اللحظة الفارقة في اللقاء تمثلت في ضربة الجزاء التي أعلنها الحكم لصالح المنتخب المغربي في الدقائق الأخيرة. ووفق الإعادات التلفزيونية وقواعد التحكيم المعتمدة، بدا القرار منسجمًا مع القانون. غير أن ردّ الفعل لم يتخذ شكل احتجاج تقليدي، بل انسحاب جماعي من أرضية الملعب دام أكثر من خمس وعشرين دقيقة، في سلوك نادر في تاريخ المسابقة.
هذا الانسحاب لم يكن مجرد تعبير عن رفض قرار تحكيمي، بل تحوّل إلى أداة ضغط جماعي، ترافقت مع توتر أمني واحتقان في المدرجات، كاد يخرج المباراة من إطارها الرياضي. وهنا انتقل الخلاف من نقاش قانوني إلى معادلة قوة، بات فيها القرار التحكيمي رهينة لما قد يترتب عليه من تداعيات أمنية وإعلامية.
المفارقة أن اللحظة التي كان يُفترض فيها تفعيل اللوائح التأديبية لحماية شرعية المنافسة، شهدت تراجعًا عمليًا عن تطبيق القانون بدعوى “احتواء الأزمة”. وبدل أن تتحمل الجهة المنظمة مسؤولية فرض القواعد، وجد المنتخب المغربي نفسه في موقع الدفاع عن خصم منسحب، في مشهد يختزل حجم الارتباك المؤسسي.
هذه الواقعة تعيد طرح سؤال قديم متجدد في كرة القدم الإفريقية: إلى أي حد تتمتع السلطة التحكيمية باستقلال فعلي أمام الضغط الجماهيري والإعلامي؟ فحين يصبح الحكم معزولًا، ويتحول قراره من مسألة تقنية إلى عبء سياسي، تفقد الصافرة هيبتها، ويتحول الملعب من فضاء تنافسي إلى ساحة تفاوض غير معلنة.
الأخطر من نتيجة مباراة بعينها هو ما قد يترتب عن تكريس سابقة مفادها أن تعطيل اللعب وخلق الفوضى يمكن أن يثمرا أكثر من الالتزام بالقانون. ففي مثل هذه الحالات، لا يعود الفوز حصيلة الأداء داخل المستطيل الأخضر فقط، بل نتيجة القدرة على إدارة التوتر، واستثمار اللحظة إعلاميًا، وفرض الأمر الواقع.
في المحصلة، تكشف هذه المباراة عن معضلة تتجاوز طرفيها، وتمس صورة الكرة الإفريقية ككل. فحين يُنظر إلى القانون باعتباره عنصرًا قابلًا للتفاوض، لا أساسًا ناظمًا للمنافسة، فإن مصداقية اللعبة نفسها تصبح موضع تساؤل. واستعادة الثقة لا تمر عبر الشعارات، بل عبر تطبيق صارم ومتساوٍ للقواعد، يحمي الرياضة من الانزلاق إلى منطق الفوضى، ويعيد للملعب معناه كفضاء للتنافس لا للابتزاز.







