
تعتبر مدينة خريبكة، الواقعة في قلب الهضبة الفوسفاطية بالمغرب، واحدة من أهم المراكز الاقتصادية والثقافية في المملكة. هي ليست مجرد مدينة منجمية عابرة، بل هي “عاصمة الفوسفاط” العالمية ومركز حيوي نابض يمتزج فيه عبق التاريخ المرتبط بالاكتشافات المنجمية مع طموحات التنمية الحديثة.
1. النشأة والتأسيس: مدينة ولدت من رحم الأرض
تأسست مدينة خريبكة الحديثة في عام 1923 من قبل سلطات الحماية الفرنسية، وذلك عقب اكتشاف احتياطات هائلة من الفوسفاط في المنطقة سنة 1917. يعود أصل تسمية “خريبكة” حسب الروايات الشفوية إلى كلمة “خربق” التي تعني “أسرع” أو تشير إلى تداخل المسالك والخنادق التي أحدثتها عمليات التنقيب الأولى. وقد تميز التخطيط العمراني للمدينة بتقسيم تاريخي فرنسي يضم:
الفيلاج (Village): وهو الحي الذي كان مخصصاً للأوروبيين وأطر المجمع الشريف للفوسفاط، ويتميز بالشوارع الواسعة، المساحات الخضراء، والبيوت ذات القرميد الأحمر.
الأحياء الشعبية: التي نمت حول المركز، وتعكس الطابع الاجتماعي للعمال المغاربة في تلك الحقبة.
2. الاقتصاد: الرئة المالية للمغرب
تعتبر خريبكة المزود الأول للمغرب والعالم بمادة الفوسفاط، حيث يقع فيها المقر الرئيسي لعمليات الاستخراج التابعة لـ المجمع الشريف للفوسفاط (OCP).
الإنتاج: تضم المنطقة أكبر احتياطي للفوسفاط في العالم.
التشغيل: تعتمد شريحة واسعة من الساكنة على الأنشطة المنجمية والخدمات المرتبطة بها.
البنية التحتية: تتوفر المدينة على شبكة سكك حديدية تاريخية مخصصة لنقل “الذهب الأبيض” باتجاه ميناء الدار البيضاء والجرف الأصفر.
3. الثقافة والفنون: ملتقى السينما والفلكلور
نجحت خريبكة في نحت اسم لها عالمياً من خلال المهرجان الدولي للسينما الإفريقية، وهو من أقدم المهرجانات السينمائية في المغرب (تأسس سنة 1977)، ويحول المدينة سنوياً إلى ملتقى لكبار المخرجين من القارة السمراء. كما تحافظ المدينة على هويتها التقليدية من خلال فن “عبيدات الرما”، وهو فن فلكلوري يجمع بين الغناء والرقص والتمثيل الهزلي المرتبط بمواسم الحصاد والصيد.
4. الجانب الرياضي: قلعة “لوصيكا” (OCK)
ترتبط المدينة بنادي أولمبيك خريبكة (OCK) الذي تأسس سنة 1923. ويعد النادي أحد أعرق الأندية المغربية التي فازت بالدوري المغربي وكأس العرش، ويحظى بدعم تاريخي من المجمع الشريف للفوسفاط، مما وفر له بنية تحتية رياضية وملاعب غولف تعتبر من الأفضل في المنطقة.
5. التنوع الديموغرافي والهجرة
استقطبت خريبكة منذ بدايتها يداً عاملة من مختلف مناطق المغرب (سوس، الحوز، والشاوية)، مما خلق مزيجاً ثقافياً فريداً. كما تشتهر المنطقة بنسبة هجرة عالية نحو أوروبا، وخاصة إيطاليا، مما أثر على العمران والاقتصاد المحلي عبر تحويلات المهاجرين وبناء الفيلات والمشاريع العقارية.
6. المعالم والتحول الأخضر
تضم المدينة معالم بارزة مثل الخزانة الوسائطية (من أكبر خزانات المغرب) والمتحف المنجمي. ولمواجهة التحديات البيئية، تبنت المدينة مشاريع حديثة مثل “المدينة الخضراء” واستعمال المياه العادمة المعالجة لسقي المساحات الخضراء وملاعب الغولف.







