
تتسارع وتيرة التصعيد في منطقة الشرق الأوسط لتعيد صياغة مفاهيم الردع والاشتباك بين القوى الدولية والإقليمية، وفي قلب هذا المشهد المتفجر تأتي تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كقراءة سياسية وعسكرية كاشفة لطبيعة الصراع الراهن مع طهران. إن التوصيف الذي قدمه روبيو، باعتبار أن القيادة الإيرانية “تحتمي” خلف ترسانة ضخمة من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، لا يعكس فقط تقييماً تقنياً للقدرات التسليحية، بل يشير إلى تحول جوهري في العقيدة الدفاعية الإيرانية التي انتقلت من مرحلة التهديد المحدود إلى محاولة فرض واقع “الحصانة الشاملة” عبر خلق توازن رعب غير متكافئ. هذه الاستراتيجية التي انتهجتها طهران طوال العقد الماضي، عبر الاستثمار الهائل في تكنولوجيا المسيرات رخيصة التكلفة وعالية التأثير، وصناعة أجيال متطورة من الصواريخ دقيقة التوجيه، كانت تهدف بالأساس إلى جعل تكلفة أي مواجهة مباشرة معها باهظة إلى الحد الذي يمنع القوى العظمى من اتخاذ قرار الحسم العسكري. إلا أن التطورات الأخيرة، والضربات الاستباقية التي شهدتها المنطقة، تعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن كسر هذا “الدرع” الصاروخي بات ضرورة استراتيجية لمنع تحول المنطقة إلى رهينة لهذا النوع من الردع. ومن زاوية صحفية وسياسية معمقة، فإن كلام روبيو يحمل في طياته رسالة مفادها أن التكنولوجيا العسكرية الإيرانية، رغم تطورها، لم تعد تشكل غطاءً كافياً لحماية النظام من الضغوط الدولية المكثفة، خاصة مع تطور منظومات الاعتراض والتشويش التي أضعفت فاعلية هذه المسيرات في الميدان. إننا أمام مرحلة جديدة تتجاوز مجرد التصريحات الإعلامية إلى صراع إرادات حقيقي، حيث تحاول واشنطن وحلفاؤها تجريد طهران من “أنيابها” التكنولوجية، بينما تصر الأخيرة على أن مخزونها من السلاح هو الضمان الوحيد لاستمرار نفوذها وبقائها في معادلة القوة العالمية. هذا التدافع يضع المنطقة على صفيح ساخن، إذ إن انهيار “وهم الحصانة” خلف الصواريخ قد يدفع بالأطراف نحو خيارات أكثر راديكالية، ما يجعل من الدبلوماسية المعتمدة على القوة الخيار الوحيد المتبقي لتجنب انفجار شامل لا يستثني أحداً، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لموازنة الردع دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة تتجاوز حدود الجغرافيا والسيطرة.







