في الوقت الذي يراكم فيه المغرب نجاحاته الدبلوماسية والميدانية، وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تأتي العملية الأمنية الأخيرة لتفكيك شبكة تجسس تعمل لصالح أجندات خارجية لتعيد تذكيرنا بأن ضريبة الريادة هي الاستهداف المستمر. إن هذه العملية ليست مجرد ضربة أمنية ناجحة، بل هي فصل جديد من فصول الصراع بين دولة المؤسسات والسيادة، وبين جهات تحاول عبثاً تعويض فشلها السياسي بمناورات استخباراتية بائسة تهدف إلى زعزعة استقرار المملكة.
إن أخطر ما في هذه الشبكة ليس فقط الأهداف التي كانت تسعى لرصدها، بل اعتمادها على عملاء محليين باعوا ضمائرهم لخدمة مصالح أجنبية معادية، وهو ما يمثل طعنة في ظهر الوطن وتحولاً من حيز الاختلاف إلى حيز الخيانة العظمى. لقد كشفت التحريات الدقيقة أن هؤلاء العملاء لم يكتفوا برصد التحركات الروتينية، بل حاولوا التغلغل في دوائر حساسة ومؤسسات حيوية، مستخدمين أغطية واهية مثل النشاط السياحي لالتقاط صور لمواقع استراتيجية، غافلين عن أن عين الأمن المغربي لا تنام وأن هندسة الأمن القومي للمملكة تقوم على مبدأ الاستباق واليقظة الدائمة.
ولم يتوقف الأمر عند التجسس الميداني، بل حاول مخططو هذه العملية ممارسة نوع من التضليل عبر إقحام طرف ثالث في التمويلات المالية، في محاولة بائسة لتغطية الأثر وتعمية مسارات الدعم المالي وصولاً إلى المنبع الحقيقي. إلا أن احترافية الأجهزة الاستخباراتية المغربية استطاعت فك شفرات هذه المناورات وتتبع الأثر الرقمي والمالي، مما يثبت أن السيادة الوطنية للمغرب محصنة تقنياً وميدانياً. إن إحالة الملف إلى محكمة الاستئناف بفاس وتوجيه تهمة التخابر التي تصل عقوبتها للإعدام، يعكس صرامة الدولة في التعامل مع من يضع أمن المواطنين في كفة ومصالحه الشخصية أو ولائه للخارج في كفة أخرى.
إن قرار جعل جلسة المحاكمة مغلقة يوم الاثنين القادم هو إجراء سيادي يهدف إلى حماية الأسرار الوطنية ومنع الجهات المعادية من الاستفادة من أي معطيات تقنية، مؤكداً أن المغرب يدير ملفاته الكبرى بحكمة وهدوء. وفي الختام، تظل هذه العملية رسالة مدوية لكل من يهمه الأمر؛ فالمغرب اليوم قلعة محصنة، وأي يد تمتد للعبث بأمنه أو استقراره ستُبتر بقوة القانون وصرامة السيادة، ليبقى الوطن دائماً فوق كل اعتبار وصامداً أمام كل المؤامرات.






