
يشهد الاقتصاد المغربي في الربع الأول من عام 2026 حالة من التوازن الدقيق بين طموحات النمو المحلي والضغوط الناتجة عن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، حيث تشير البيانات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى توقعات بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 3.4% خلال هذه الفترة، مدفوعاً بمرونة القطاعات غير الفلاحية التي سجلت ارتفاعاً في القيمة المضافة بنسبة 3.1%. وفي المقابل، تعيش بورصة الدار البيضاء حالة من الترقب المشوب بالحذر، إذ أغلق مؤشر “مازي” (MASI) تداولاته الأخيرة عند مستويات متباينة، مع تسجيل حجم معاملات يومي متوسط يتراوح بين 120 و150 مليون درهم، وسط استمرار تدفق رؤوس الأموال نحو أسهم قطاع البنوك والطاقة التي استقرت مكررات ربحيتها عند مستويات مغرية للمستثمرين المؤسساتيين. وتتأثر السوق المالية بشكل مباشر بتقلبات الثقة الدولية، حيث انعكست تداعيات الصراع الإيراني الأخير على أسعار النفط العالمية التي تجاوزت حاجز 95 دولاراً للبرميل، مما وضع الميزان التجاري المغربي تحت مجهر التدقيق، بالنظر إلى ارتفاع تكاليف الفاتورة الطاقية التي نمت بنسبة تقريبية بلغت 12% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وعلى مستوى المؤشرات الكلية، تمكن المغرب من احتواء معدل التضخم عند مستويات لا تتجاوز 4.5% بفضل السياسة النقدية التشددية التي ينهجها بنك المغرب، والتي أبقت على سعر الفائدة الرئيسي عند 3%، مما ساهم في استقرار العجز المالي رغم الضغوط الخارجية. إلا أن اندلاع المواجهات في منطقة الخليج وتورط إيران في نزاع مباشر أحدث هزة في سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما استدعى تفعيلاً استباقياً لآليات الحماية الاجتماعية والدعم الحكومي للمواد الأساسية لضمان استقرار القدرة الشرائية. ويظهر قطاع السياحة المغربي صموداً لافتاً، حيث استقبلت المملكة ما يزيد عن 2.5 مليون سائح في الشهرين الماضيين، محققة عائدات نقدية مهمة بالعملة الصعبة بلغت حوالي 18 مليار درهم، وهي أرقام تساهم في تغطية جزء كبير من العجز التجاري الناتج عن استيراد السلع الطاقية والمواد الأولية. أما قطاع الصناعة، وخاصة صناعة السيارات والطيران، فقد سجلت الصادرات نمواً بنسبة 8%، مؤكدة تموقع المغرب كمنصة إنتاجية تنافسية بعيدة نسبياً عن مناطق التوتر الجغرافي المباشر، مما يمنحه ميزة “الملاذ الآمن” للاستثمارات الأجنبية المباشرة التي يبحث أصحابها عن استقرار سياسي وماكرو-اقتصادي.
وتكشف البيانات التحليلية لبورصة الدار البيضاء أن المستثمرين بدؤوا في إعادة توزيع محافظهم المالية للتحوط ضد مخاطر الحرب، من خلال زيادة التركيز على الشركات ذات الأصول المادية القوية والتدفقات النقدية المستقرة، مما حافظ على استقرار رسملة البورصة عند مستويات تناهز 620 مليار درهم. ومع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز وتأثيرها على حركة الملاحة الدولية، يبرز ميناء طنجة المتوسط كركيزة استراتيجية في الالتفاف على مسارات التجارة التقليدية، حيث نمت حركة الحاويات بنسبة تناهز 5%، مما يعزز من مداخيل الخدمات اللوجستية الوطنية. إن تداخل الأرقام بين الانتعاش الداخلي والضغط الخارجي يرسم صورة لاقتصاد مغربي يتسم بالذكاء في إدارة الأزمات، حيث يتم استغلال ارتفاع أسعار الفوسفات العالمية – التي قفزت بنسبة 15% نتيجة القلق الدولي من نقص الأسمدة – لتعويض الخسائر في ميزان الأداءات. وفي الختام، يظل الاقتصاد المغربي في عام 2026 رهيناً بمدى طول أمد الصراع الإقليمي وتأثيره على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن القاعدة الهيكلية المتينة والسياسات المالية الاستباقية توفر شبكة أمان كافية لامتصاص الصدمات وحماية وتيرة التنمية المستدامة من الانهيار تحت وطأة الظروف الجيوسياسية المتقلبة.







