أراء وكتاب

رسالة مواطن مغربي إلى زعيم جبهة البوليساريو وإلى إخواننا في مخيمات تندوف

من قلب مواطن مغربي يؤمن بأننا شعب واحد يجمعه الدم الواحد والدين الواحد الذي يوحّدنا جميعاً تحت شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله، واللغة الواحدة التي نتقاسمها منذ قرون، أتوجه إليكم بهذه الرسالة بصفاء النية، بعيداً عن ضجيج السياسة وحسابات الأطراف الخارجية. أتوجه إليكم كأخٍ يعاني من رؤية إخوة له يعيشون سنوات طويلة في ظروف قاسية داخل مخيمات تندوف، بينما كان الأصل أن نكون جميعاً تحت سقف وطن واحد من طنجة إلى الكويرة، نختلف ونتحاور ولكن لا نتخاصم ولا نقتتل. لقد طال زمن الخصام حتى تجاوز حدود المعقول، وسالت خلاله دماء كان الأولى أن تُصان، وكفى من دم أريق بلا معنى في صراع لم يجلب للمنطقة إلا الألم والتفرقة والانتظار.

لقد صنعت الأجندات الخارجية جداراً وهمياً بين أبناء الصحراء وأبناء باقي المغرب، وروّجت لخطاب يغذي الانقسام ويتغذى عليه، حتى أصبحت بعض الأصوات ترى في استمرار الأزمة مكسباً لها، بينما أصبح الشعب بكل مكوناته الخاسر الأكبر. لكن الحقيقة التي يعرفها كل صحراوي في وجدانه أن المغرب لم يكن يوماً عدواً لأحد من أبنائه، وأن الروابط التي تجمعنا – تاريخياً وروحياً واجتماعياً – أقوى من أي مشروع انفصال أو تقطيع للمشترك.

واليوم يمدّ الوطن يده من جديد، عبر المبادرة الملكية للحكم الذاتي التي أكد جلالة الملك أنها تقوم على مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، لأنها لا تهدف لإقصاء طرف أو تمييز آخر، بل تمنح لكل الصحراويين فرصة تدبير شؤونهم بأنفسهم داخل إطار وطني يحمي كرامتهم ويحترم خصوصياتهم. إن هذا المشروع ليس انتصاراً لطرف وخسارة لآخر، بل هو طريق شريف لطي صفحة الخلاف وبناء مستقبل مشترك يقوم على التنمية والازدهار، وعلى إعادة اللحمة بين الإخوة الذين فرقتهم السياسات وشتتتهم الظروف.

وفي الوقت الذي يعمل فيه الإعلام الوطني المغربي بإصرار ومسؤولية على تغذية خطاب الوحدة ولمّ الشمل، يبرز إعلام آخر يصرّ على التصعيد ويجد في التوتر مرتعاً خصباً لمصالح لا علاقة لها بمصالحكم، إعلام يجعل من البلبلة بضاعة، ومن الانقسام مشروعاً، ومن معاناة سكان المخيمات أداة للمتاجرة السياسية. لكن صوت العقل اليوم يقول إن البناء أفضل من الهدم، وإن الاستقرار خير من النزاع، وإن لمّ الشمل أنفع للجميع من استمرار القطيعة.

إن دعوتي لكم – كأخ قبل أي صفة – هي دعوة للحوار الصادق، لا للإملاء؛ دعوة للتفاهم، لا للتنازل؛ دعوة لكسر جدار الخوف والعودة إلى حضن وطن غفور رحيم، وطنٌ لم يغلق أبوابه يوماً أمام أبنائه، وطنٌ احتضن الجميع وسيظل كذلك. تماماً كما تُحلّ الخلافات بين أفراد البيت الواحد بالحكمة، فإن حلّ الخلاف بيننا ليس مستحيلاً، بل واجبٌ أخلاقي وتاريخي.

إن المستقبل ينتظرنا جميعاً، ومستقبل أبناء الصحراء لا يمكن أن يُبنى داخل المخيمات ولا في ظل صراعات لا نهاية لها. لقد آن الأوان لأن نقرر بأيدينا، وأن نختار طريق الازدهار بدل طريق الانقسام، وأن نمنح للأجيال القادمة فرصة الحياة في وطن مستقر مزدهر، بدلاً من أن نترك مصيرنا رهينة لأطراف لا ترى فينا سوى أوراق تفاوض.

إن المغرب، ملكاً وشعباً، ينتظر لحظة نرى فيها أبناء تندوف يعودون إلى أرضهم، مشاركين في بنائها وتنميتها، رافعين راية الوحدة التي تجمع ولا تفرق. فهل نواصل طريق الأوهام؟ أم نعود إلى طريق الحقيقة التي تقول إننا شعب واحد لا يمكن أن تفرقه الحدود الاصطناعية ولا الشعارات المؤقتة؟

كفى من دم أريق، وكفى من فراق طال أكثر مما ينبغي. الوطن يتسع للجميع، والفرصة ما تزال قائمة، والعودة قرار شجاع لا يقدم عليه إلا الشجعان.

الوطن يناديكم، والوطن غفور رحيم.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا