
يُعدّ زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه من أعظم الشخصيات العلمية في تاريخ الإسلام، ومن الصحابة الذين جمعوا بين النبوغ العقلي، والأمانة الدينية، والدور الحضاري العميق. فقد ارتبط اسمه مباشرة بأقدس مشروع في الأمة الإسلامية، وهو حفظ القرآن الكريم وتدوينه، حتى أصبح نموذجًا خالدًا للعالِم الرباني الذي خدم الوحي بعقله وقلبه معًا.
وُلد زيد بن ثابت في المدينة المنورة قبل الهجرة النبوية بنحو إحدى عشرة سنة، ونشأ في بيت أنصاري من بني النجار، أخوال رسول الله ﷺ. أسلم صغيرًا، ولم يُؤذن له بالمشاركة في غزوة بدر لصغر سنه، غير أن هذا الحرمان من ساحة القتال قابله اصطفاء من نوع آخر، إذ التفت النبي ﷺ إلى ذكائه المتقد، وسرعة حفظه، وحدة فهمه، فقرّبه إليه وجعله من خاصته.
برز نبوغ زيد مبكرًا حين أمره النبي ﷺ بتعلّم لغة اليهود، فأتقن العبرية في زمن وجيز، ليقوم بمهام الترجمة والمراسلات، ثم اختاره ضمن كتّاب الوحي الذين كانوا يدوّنون القرآن فور نزوله، وهو شرف عظيم لم ينله إلا عدد محدود من الصحابة، ما يدل على مكانته الخاصة وثقة النبي ﷺ به.
بعد وفاة الرسول ﷺ، دخلت الأمة الإسلامية مرحلة دقيقة، خاصة عقب استشهاد عدد كبير من حفظة القرآن في معركة اليمامة، فبرزت مخاوف حقيقية من ضياع شيء من القرآن. عندها كلّف الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه زيد بن ثابت بمهمة جمع القرآن الكريم، وهي من أثقل المهمات في تاريخ الإسلام. وقد أنجزها زيد بمنهج علمي صارم، اشترط فيه ألا تُقبل آية إلا إذا كانت مكتوبة بين يدي النبي ﷺ، ومشهودة من الصحابة، ومتواترة في الحفظ، جامعًا بين النص المكتوب والحفظ الصدري، حتى خرج المصحف مجموعًا محفوظًا لدى الدولة الإسلامية.
وقد عبّر زيد بن ثابت عن عِظم هذه المسؤولية بقوله الشهير: «والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن»، وهي شهادة صادقة على حجم الورع والدقة التي حكمت عمله.
وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، عاد زيد بن ثابت ليتصدر المشهد التاريخي مرة أخرى، حين ترأس لجنة نسخ المصحف الإمام وتوحيد القراءات، في خطوة مفصلية حمت القرآن من الاختلاف، ورسخت وحدة الأمة النصية، ولا تزال المصاحف المتداولة اليوم شاهدة على عظمة ذلك العمل الجليل.
ولم يقتصر دور زيد بن ثابت على كتابة الوحي وجمع القرآن، بل كان فقيهًا مجتهدًا، برع خصوصًا في علم الفرائض (المواريث)، حتى قال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أفرضكم زيد». وكان مرجعًا علميًا لأهل المدينة، يتولى الإفتاء والتعليم، ويقصد مجلسه كبار الصحابة والتابعين، حتى صار أحد أعمدة المدرسة العلمية في المدينة المنورة.
عُرف زيد بن ثابت كذلك بثقة الخلفاء الراشدين، فكان موضع استشارة دائمة في القضايا الكبرى، يجمع بين العلم والدراية وحسن التدبير، وهو ما جعله مثالًا مبكرًا للعالِم الذي يسهم في بناء الدولة، لا في العزلة عنها.
ورغم مكانته الرفيعة، عُرف زيد بن ثابت بتواضعه الجم وزهده، وتُروى عنه مواقف كثيرة في توقير العلم وأهله. ومن أشهرها ما وقع بينه وبين عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، في مشهدٍ يجسّد أخلاق جيلٍ ربانيٍّ فريد، جمع بين العلم والأدب، وبين المكانة والتواضع.
توفي زيد بن ثابت رضي الله عنه سنة 45 للهجرة تقريبًا، فحزن عليه أهل المدينة حزنًا شديدًا، حتى قال ابن عباس عند وفاته: «هكذا يذهب العلم». ولم يكن ذلك رثاءً عابرًا، بل توصيفًا دقيقًا لخسارة أمة فقدت واحدًا من أعمدتها العلمية الكبرى.
إن الحديث عن زيد بن ثابت الأنصاري هو حديث عن ذاكرة الإسلام المكتوبة، وعن رجلٍ حفظ الله به كتابه، وأسّس لمنهج علمي صارم في التوثيق، فبقي اسمه خالدًا في سجل الخالدين، شاهدًا على أن العقول الأمينة قد تغيّر مصير أمة بأكملها.







